المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قلبها مع الصانع...الجزء ألاول


أول الوسم
21-11-2004, 04:21 AM
أكثر ما كان يضايقها أن ترسلها أمها ظهراً بغداء فهمي عامل المزرعة , لم يكن سبب ضيقها شمس الظهيرة الحارقة, ولا صيحات أمها الواقفة بجوار باب البيت تستحثها على الإسراع, ولا فهمي الكسول بل سعود الواقف بين شجيرات الليمون يرمي عليها حباته ,وما إن تلتفت نحوه غاضبة حتى يبادلها بإبتسامة عذبة كان يجهل مقدار ماتفعله بها, وتتركه وتواصل سيرها وتسلم فهمي غداءه, ولاتنسى أن تصرخ به لماذا لاتأتي لتأخذه ؟ لن أحضره لك بعد اليوم, وتقفل عائده وهي تستعد لضربة أخرى بالليمون, ولو أنها جمعت هذا الليمون لربحت لكنها تظهر له ثقل عجيب جعله يقسم أن لافتاة سواها.

وتعود تدخل غرفتها بل غرفتها هي وأخواتها الثلاث وترتمي على الفراش وأشباح ابتسامته تؤرقها, مجنون هذا الفتى منذ سنوات وهذا عمله, وهذا مجلسه بين أشجار الليمون ,وتتنفس بقوة وهي تهمس متى يحق لها أن تحبه؟ وتبادله هذه الأشواق ؟
ولا يعجبه أنها لاتبادله علناً شوقاً بشوق, ويرسل أخته برسالة تقطر شوقاً وغراماً ,ولا تجيبه سوى بابتسامة ترسلها مع أخته ,وتعود الأخت إليه ويعيدها يطلب كلمة واحدة قبل أن يغادر إلى جامعته في الرياض يريد منها وعداً أن تبقى له, وترقبها أخته في صمت فتقول بهدوء: أنا التي أريد منه وعداً صادقاً أن لاتغير قلبه إحدى فتيات الرياض.

وتفرح أخته وتعود إليه, ويظل سعود في قلبها وتمر السنة عليها ثقيلة, ولا تعود ترسلها أمها إلى فهمي أخذت الدور عنها أختها الصغرى, ولم تعبأ فرامي الليمون بعيد بعيد جداً. وتتسمع أخباره من أخته ,وكلما ذهبوا إلى البلدة لمحادثته جلست بجوار السور الفاصل بين المزرعتين تنتظر أخته مريم لتخبرها عنه.
وفي الصيف يعود وتراه مرة أو مرتين ماراً من هنا, أو جالساً هناك, وتستلم كل يوم رسالة منه وترفض الرد وتعجب أخته.

= لماذا لاتردين عليه؟!

= لاأقدر لم أفعلها ولن أفعلها ...

= إنها مجرد رسالة...

= يكفيه أن يعرف مشاعري نحوه .

وتصمت أخته وتعود إليه فيقول لها هذا أكثر ما يجعلني أصر على نوف إنها إنها لاأعرف كيف أصفها لكن ما أعرفه أنها أطهر من حمام مكة .

وتمر السنوات ومع دخولها الكلية يتخرج سعود, ولم يمضي شهران إلا وقد أصبح مذيعاً في التلفزيون, وفي أول ظهور له تجمع أهل القرية كلهم حول شاشاتهم ليروا سعود ووقفت هي خلف والدها وأخوتها ترقب ظهوره,

أبتسم كما كان يبتسم يوم كان يقذف الليمون, وحيا المشاهدين ثم قال ما عنده, وما إن انتهى حتى رأت والدها يلتفت نحو أخيها وسمعت تلك الكلمة القاتلة لأول مرة في حياتها من فم والدها...

= أرأيت ولد الصانع كيف أصبح ؟

وقام أخوها وهو يقول بغرور فض : ماذا أصبح إنه صانع وسيبقى صانع؟

وخرج من البيت ذهبت هي إلى غرفتها توسدت أحزانها, وتساءلت ماسبب حزنها منذ كانت طفلة ,وهي تعرف أنهم صناع ,وان سعود لاأصل له في عرف قبيلتها المعتزة بأصلها ربما لأنه لأول مرة يذكر ذلك أبيها, هل كانت تطمع أن لايكون ذلك تصور والدها عنهم أنهم مجرد صناع ؟

هل كانت مجرد إحدى إنفعالات والدها الغاضبة على أخيها الفاشل في كل شئ؟

ولم تنم تلك الليلة أخذت الأحلام والكوابيس تعبث بها

وفي الباص المغادر إلى الكلية كان حديث الفتيات الهامس حول سعود, بينما ظلت هي صامتة متألمة هل سيكون سعود لها, ام أن والدها سيهدم أحلامها بقرار قبلي صارم, وتنفست بقوة والباص يعبر الوادي, وحبات المطر تتسلقط على النوافذ وقلبها يصلي.......................... ................

وبعد ستة أشهر عاد سعود سمعت بعودته, ولم تره إلا مرة وهي عائدة من الكلية, نزلت من الباص, وكأنما سمع صوت الباص خرج, ووقف وابتسامته تلوح على شفتيه نظرة واحدة إلتقطتها عيناها ,وأسرعت تدخل إلى بيتهم وقلبها يسئله متى متى يا سعود؟

في المساء سمعت صوت امها تقول لوالدها= غريبة منذ متى يخبرك أنه يريد أن يشرب القهوة معك هو كل يوم عندنا فقال والدها= لا أدري هل أسأل الرجل عن ذلك أيضاً

وعلمت أن سعود سيخطبها, وتسارعت دقات قلبها, وهي تسمع صوت والدها يدعو إلى إحضار القهوة

وأخذت تبتهل, وتبكي بمرار. ولم يستجب حينها الله لما أرادت!! فقد سمعت صوت أخيها الغاضب, وصوت والدها يطرده من المجلس,

خرجت من الغرفة, فأسرع نحوها أخيها أرتعدت فرائضها فقال= نوف ولد الصانع خطبك وأبي طردني من المجلس لأني شتمته وقلت له كيف تجرأ؟!

وأغمي عليها, تهاوت على الأرض, والتقطها أخيها, لم تستيقظ إلا في ساعة متأخرة, كانت أمها بجوارها بلعت ريقها, وقالت بصعوبة ماذا حدث؟!

= الطبيب يقول أن معك هبوط ربما من قلة الطعام

= ماذا حدث لسعود؟

= لاشئ لقد أفهمه والدك أننا لانزوج بناتنا لمن هم مثلهم, الله يهديه حمود تطاول عليهم .

وبكت لايستحق سعود كل هذا لايستحق , وبقيت لمدة أسبوع أسيرة غرفتها, وتسامع الناس بأمر الخطبة ,وعبثت العصبية البغيضة ببني قبيلتها, وترصد ثلاثة من فتيان أقربائها لسعود, وضربوه وحطموا سيارته , وتناقل الناس كلاماً مختلقاً أنها كانت تقابله, وأنها وأنها وهي مامست يدها يده, ولاعرفت حواسها كيف هي رائحته, أو كيف هو ملمسه, ودخل عليها حمود على حين غفلة من والدها ,وأقسم لها انه سيقتله ويقتلها لو علم أنها تفكر به, أو تريده وسخرت منه, من الذي له سلطة على القلوب غير الله سبحانه ,

وزارتهم عجوز من عجائز قبيلتها تبيع كل شئ الحناء والسدر والبخور والكلام أيضاً هو أيظن يباع ي قريتها ,أقبلت العجوز نحو الجسد الملقى

وجلست بجواره وهي تتأمل عيني صاحبته وتصفق راحتي يديها وهي تقول: نسيتي نفسك وجدك وأهلك وتركت الصانع يأخذ عقلك

وتحاملت على نفسها وجلست وهي تغالب دموعها : يا هذه أقسمت عليك أليس سعود رجل؟

وزمت العجوز شفتيها وقالت : ولو كان رجل أليس صانع لانعرف له ولربعه قبيلة؟

وبكت لكنها تكلمت

= صانع من أين أتيتم بهذه الكلمة التي لم ينزل الله بها سلطان ؟ هل نزلوا من السماء أم نبتوا مع الزرع ألا ترين أن ربما كان لهم أجداداً خيراً من أجدادنا

وانتفضت العجوز وهي تصيح وأينهم لو كان لهم جدود مثل جدودنا ....يا أم حمود بنتك جنت عقلها بات مع الصانع

وخرجت العجوز تحدث القبيلة أن جميلتهم قد سرق عقلها الصانع وانتشرت هذه الكلمة عنها عقلها مع الصانع وخلدها شاعر أحمق بقصيدة لم يستحي أن يقولها في التلفاز ويختمها بأن يقسم أن لن يمس الصانع ضفائرها ويملأ الوجع قلبها مالهم ومالها ؟

هل أقسم هؤلاء وتعاهدوا على قتل القلوب وإعدام المشاعرتحت مقصلة التعصب والبغض ألا قاتلهم الله لم ترد ولم يرد سوى الحلال


وذهبت إلى الكلية مجبرة سارت وسط الفتيات بوجه شاحب, وقلب متألم, وإحساس ضائع كانت كلمات الأستاذة المصرية قادمة من بعيد وهي تصيح فيها نوف نوف ورفعت رأسها بصعوبة فسمعت صوت فتاة حمقاء تقول وهي في البعيد لاتهتمي بها يا أستاذة قلبها مع الصانع وصارت هذه الكلمة نكتة الفتيات في الكلية كلما سرحت ولا ترد عليهن سوى بالبكاء فلن تنكر أن قلبها بات ملكاً لفتاها الصانع كما يقولون

وعلمت أنه سيغادر ووجدت نفسها تكتب له رسالة لأول مرة في حياتها كتبتها بكل ذرة ألم أحستها تلك الليلة وبكل لحظة شوق غمرتها إلى عينيه

وعدته أنه لن يمس شعرها غيره ولو بقيت كل العمر تنتظره ولم يرد علمت حجم الألم الذي يشعر به وغفرت له.

سافر حمود إلى الرياض ليعمل عسكرياً هناك وتخرجت هي, وأصبحت معلمة في قرية نائية ,واختفت أخبار سعود فلم تعد ترى أخته لكن قلبها كان معه وفي كل مساء خميس تنتظرسماع صوته في الإذاعة ومرات قليلة تراه في التلفاز.

تقدم لها العشرات ورفضتهم واحداً بعد الآخر حاول والدها وأقسمت على قتل نفسها لو أجبرها وتركها

وفي عصر يوم شاتي كانت عائدة من مدرستها البعيدة عندما رأت سيارة رياضية تقف بجوار بيت أهل سعود خفق قلبها بشدة لاشك أنه سعود نزلت من الباص ببطئ تمنت لو يخرج لكنه لم يخرج شعرت بالحسرة تمزق قلبها

دخلت البيت بهدوء رأت والدها جالساً مستندا على الجدار يمسح بيديه على لحيته قبلت أنفه ورأسه وتوجهت إلى غرفتها وقبل أن تدخلها سمعته يقول جيراننا قرروا الرحيل إلى الرياض

والتفتت إليه ثم أسرعت تقف امامه =أبي من أخبرك؟

رفع الشيخ المريض عينيه بثقل وهو يقول= لازلت أعرف أعرف يانوف أنك ستموتين وابن الصانع آخذ عقلك
تنفست بعمق ودت أن تقولها لوالدها لوتقول ابن الصانع يجالس الأمراء وابنك ياأبي يجالس قطاع الطرق لكنها كرهت أن تجرح قلب والدها المريض

عاد يقول= أعقلي يانوف محمد بن خالد يريدك وهو رجل لاخلاف عليه

وابتسمت بسخرية= قلتها يا أبي وقالوها أهل القرية عقلي مع الصانع

هز الشيخ رأسه بألم فانحنت على ركبتيها وأمسكت بيده وهي تبكي= سعود رجل يا أبي وأنت تعرف ذلك فلم لم تقتلني وتحرمني منه

أمسك الشيخ بكفيها الممدودتين وهويقول= حتى لو رضيت أنا هل سترضى القبيلة سيقتلون سعود هل تريدين أن يموت؟؟

وهالتها كلمة والدها= لايمكن

=ولماذا لايمكن ألا تعرفين أبناء عمك؟؟ أقلها أن يفرغ غلام رصاص رشاشه في رأس سعود وقال بلهجتهم الدارجة لقد تعلق سعود الغصون الطوال يانوف

ماكانوا ليتركوك أو يتركوه

بقيت في غرفتها وهي تسمع صوت أبيه وأمه وهم يودعون أمها وأبيها كانت أصوات الكبار الأربعة تقطر أسى وقلبها وقلب سعود يتمزقان لوعة

بكت وبكت وبكت لم يبقى شئ من سعود ولاحتى تلك الأخبار المتناثرة هنا وهناك

ورحلوا باعوا منزلهم وأرضهم وشجيرات الليمون وحتى قلبها

وظلت مدمنة سماع لبرنامجه الأسبوعي وضحكاته التي تداعب خاطرها كل ليلة خلا البيت تزوجت أخواتها كلهن وبقيت هي وأمها ووالدها المريض ولم تمر أشهر حتى رحل إلى مثواه الأخير جاء حمود ...دفنه وأخذ عزاه, وغادر بعد أن شحن سيارة والده التي أشترتها هي ولم يبال رغم غضب أمه عليه وأخباره أن السيارة بمال نوف, وأسكتت أمها بقولها لقد سرق أجمل مافي حياتي ألن أجعله يأخذ هذه السيارة؟!

وفي ليلة خميس كانت تستمع إلى الراديو وإلى صوته الجميل وهو يمازح أحد ضيوفه الذي فاجأه بقوله : أنا الذي أريد أن أسألك لماذا أنت مضرب عن الزواج حتى الآن ؟

وصمت... ثم سمعت ضحكته وهو يعاتب الضيف على تبادل الأدوار بينهما لكن الضيف أصر فقال: الزوجة لاتريد رجلاً بلا قلب, وأنا قلبي مع فتاة في أقصى قرى نجد لو أعادته لي أعدك أن أبحث عن زوجة تؤيه.

وبكت وضحكت يكفيها أن يظل يحبها وأن تظل تنتظره حتى لو إلى آخر العمر وأسرعت إلى مرآتها أسدلت شعرها وتطلعت إلى عينيها هل لازالت عينيها
جميلتين؟

هل بقي فيها ما شاقه يوماً وأسهر ليله وأيقظ مضجعه وجعله يقدم على مغامرته الجريئة ويخطبها؟


بقيت طوال اليالي التي تلت تلك الليلة حائرة !! قريب بعيد ياسعود.... ماذا تفعل لتكون لك؟؟

وفي الصباحات المصهورة في الحزن والأمل تتأمل وجوه تلميذاتها وزميلاتها البدوية وهي تحدث نفسها أسيفعلن مثل زميلاتهافي الكلية ويصفنها بالجنون وتعود قصة عقلها مع الصانع للظهور؟؟


يال النساء ما أشد ظلمهن لبعضهن وكأن الحب لم يزر قلوبهن أبداً هن أول من يجلد العاشقات ويحكم عليهن بالموت

وحدها دااائماً وألف وجه حولها نسيها الجميع بل لم يعودوا يشعرون بوجودها في صمتها تدور ..تقبل ..وتدبر ..لاتسمع صوى صوته ولاتفهم سوى لغته

ويدور ي داخلها سؤال وهي في وحدتها قابعة وأمها جالسة في صحن الدار المسكون بالوحشة , لم هي هكذا سلبية داائماً لاتفعل شئ؟!

أتخا ف عليه من كلمة والدها الغارقة في التشاؤم ؟!

أم أنها اعتادت على بعده وعلى طعم ألم الشوق إليه ؟!

وتتأمل الرقم الحبيب في جوالها رقم برنامجه وتقفز إلى ذهنها كرة عجيبة وتبتسم لوجهها الحزين في المرآة وماذا لو حدثته ؟! وأخبرت رامي الليمون أنها

فقط ...فقط ...تشتاق