إنســـان
10-04-2005, 06:54 PM
الشاعر الحديث انسان محاصر , مصلوب بشهوة الابداع , والخروج من هذا الطوق الذي احكمته ظروف الحياة الحديثة حوله .
لقد اعتدى عليه العلم بوضحه وعقلانيته , واستولى على كثير من الممالك التي كان ينفرد بها , وكشف السر عن كثير من الزوايا التي تتداخل فيها الاضواء والظلال .
واماط الحجاب عن كثير من الظواهر , واسقط مئات القصائد عن القمر العاشق , برحلة فضائية واحدة .
وليس العلم وحده هو الذي يحاصر الشاعر , ولكن هناك فنونا اخرى تمت اليه بصلة القرابة ولعل بعضها قد خرج من صلبه , اخذت هي الاخرى تنافسه وتحاصره .
اعتدت القصة عليه فسلبت قطعا من ممالكه . واعتدت عليه الرواية فعزفت بجوقة كبيرة ما عجز عنه مزماره الوحيد أو قيثاره الفريد .
ونافسته العدسة المصورة فأجالت بشاعريتها الصامتة والناطقة , نظراتها الخارقة في كثير من الممالك التي كان يختص بوصفها وتصويرها وكشفت عن جمال الطبيعة بما لم تستطع أن تكتشفه مئات القصائد.
أما عن الرسم , ذلك الصديق اللدود فقد ظل يتعايش مع الشعر , عبر احقاب طويلة تعايشا سلميا يؤثر فيه ويتأثر به . حتى اذا احس الرسم نفس الاخطار التي تهدد الشعر , ركب جواده الجموح ليقتحم اللامعقول , بعد ان ضاق به عالم المعقول .
إن عالم المعقول , عالم العلم , يطرد الشعر , ولا يقبل به . ومسكين هذا الشعر لقد طرده الانبياء لأنه كان يمثل خطرا وطرده الفلاسفة لأنه يمثل خطرا . وطرده الحكام لأنه يمثل خطرا . وطرده العلم لأنه لم يعد له مكان سوى مكان الظاهرة ( المرضية ) التي ينبغي أن تخضع للتحليل , حتى المذاهب النقدية الحديثة أخذت تحلل القصائد الشعرية تحليلا معمليا , فلم تعد ترى في الحسناء الرائعة سوى هيكلها العظمي وجمجمتها التي تجردت من شعرها الفاحم او الذهبي.
ولسنا نستبعد أن يقدم العلم في يوم من الأيام وصفة طبية يصير المرء شاعرا بتناول حبوب خاصة بالقصائد الغزلية العاطفية , واخرى للقصائد الفلسفية او التاملية . اما القصائد الحماسية والوطنية والتنديد بالهزيمة والشعور بهول الفاجعة فقد تكفلت بها نشرات وتعليقات الاذاعات العربية التي ترفع ضغطك فيتفجر بالعنتريات في عفوية تامة .
في ظل هذا الحصار , وهذه الاضواء الكشافة التي يسلطها العلم على كل ركن من الاركان , ومطاردة الشاعر المسكين في كل مكان وتجريده من كل تاج وطيلسان وصولجان , لم يبق له الا أن يلحق بجواده الجامح , رفيقه في النضال , وزميله في الكفاح , فيدخل هو الاخر عالم اللامعقول والغموض . وإذا كان الرسم قد حطم كل السنن والقواعد التي اتفقت عليها البشرية العاقلة , فرسم القدم مكان اليد , واحل الالمعدة محل الدماغ , والفم مكان الانف , فلابد للشاعر أن يحطم جدار الكلمات فيستعملها في غير ما وضعت له , لا بالاستعارة والتشبيه , فذلك من المجاز الذي تقبل به عبقرية اللغة ,
ولكن بتدمير الكيان اللغوي المتعارف عليه , وبدلا من ان تكون اللغة على يديه لغة تعميق ( للايصال ) صارت اللغة على يديه لغة تعميق ( للانفصال ) . وبدلا من ان يفك الشاعر عنه حالة الحصار , ذهب يشتكي الغربة والاغتراب والغزو العلمي وما صاحبه من استلاب , ولم يعد امام اطفال الشعر من خلاص الا ان يهدموا المعبد على من فيه , عملا بالقول ( علي وعلى اعدائي ).
وقد يتعزى الشاعر, بان خلف هذه الممارسات الاستلابية العلمية , شاعر كبير اركبه العلم فرس الخيال الجموح , فلم يطيق ان يكون محصورا في وزن او قافية ولكنه آثر الانتشار في جميع الارجاء.
ان الشعر يدخل اليوم , على جناح العلم , حياتنا اليومية بأكثر مما استطاعت المنظومة الشعرية أن تفعل , لقد غزا العلم ممالك الشعر وجرده من سلطانه المطلق , ولم يترك له سوى عكازا وأسمالا تذكره بنقطة انطلاقه الاولى . ولعل في نقطة الانطلاق الاولى يعثر الشاعر على فطرته وعفويته وسذاجته وغنائيته فيثير في الناس الحنين , الى الاصول والجذور , ولعله بهذا الحنين ينقذنا وينقذ نفسه .
إن الشاعر الحديث مخنوق بمختلف الظروف والضغوط والممارسات التي تسلط عليه , ولكن اشق هذه الضغوط , هي تلك التي يسلطها هو على ذاته في البحث عن الاقنعة التي تواري وجهه الحقيقي فرارا من العادي والمباشر والمالوف والمأنوس , تارةً في الرموز الغامضة واخرى في تحطيم معقولية اللغة جرياً وراء شهوة الابداع وهروبا من الاضواء العلمية الكاشفة التي تغلغلت في كل المغاور والكهوف .
ولعل من الخير ان يتامل الشاعر في عواقب هذه المحاصرة , ليطالعنا بذاته الحقيقية , فيحلق ويطير باجنحته الحقيقية , ولن تكون نهاية الشوط سوى الاغنية التي بدأ بها رحلته الاولى .
فالشاعر مغن .
والشعر اغنية .
ولم يخلد منه الا ما تغنت به الاجيال .
لقد اعتدى عليه العلم بوضحه وعقلانيته , واستولى على كثير من الممالك التي كان ينفرد بها , وكشف السر عن كثير من الزوايا التي تتداخل فيها الاضواء والظلال .
واماط الحجاب عن كثير من الظواهر , واسقط مئات القصائد عن القمر العاشق , برحلة فضائية واحدة .
وليس العلم وحده هو الذي يحاصر الشاعر , ولكن هناك فنونا اخرى تمت اليه بصلة القرابة ولعل بعضها قد خرج من صلبه , اخذت هي الاخرى تنافسه وتحاصره .
اعتدت القصة عليه فسلبت قطعا من ممالكه . واعتدت عليه الرواية فعزفت بجوقة كبيرة ما عجز عنه مزماره الوحيد أو قيثاره الفريد .
ونافسته العدسة المصورة فأجالت بشاعريتها الصامتة والناطقة , نظراتها الخارقة في كثير من الممالك التي كان يختص بوصفها وتصويرها وكشفت عن جمال الطبيعة بما لم تستطع أن تكتشفه مئات القصائد.
أما عن الرسم , ذلك الصديق اللدود فقد ظل يتعايش مع الشعر , عبر احقاب طويلة تعايشا سلميا يؤثر فيه ويتأثر به . حتى اذا احس الرسم نفس الاخطار التي تهدد الشعر , ركب جواده الجموح ليقتحم اللامعقول , بعد ان ضاق به عالم المعقول .
إن عالم المعقول , عالم العلم , يطرد الشعر , ولا يقبل به . ومسكين هذا الشعر لقد طرده الانبياء لأنه كان يمثل خطرا وطرده الفلاسفة لأنه يمثل خطرا . وطرده الحكام لأنه يمثل خطرا . وطرده العلم لأنه لم يعد له مكان سوى مكان الظاهرة ( المرضية ) التي ينبغي أن تخضع للتحليل , حتى المذاهب النقدية الحديثة أخذت تحلل القصائد الشعرية تحليلا معمليا , فلم تعد ترى في الحسناء الرائعة سوى هيكلها العظمي وجمجمتها التي تجردت من شعرها الفاحم او الذهبي.
ولسنا نستبعد أن يقدم العلم في يوم من الأيام وصفة طبية يصير المرء شاعرا بتناول حبوب خاصة بالقصائد الغزلية العاطفية , واخرى للقصائد الفلسفية او التاملية . اما القصائد الحماسية والوطنية والتنديد بالهزيمة والشعور بهول الفاجعة فقد تكفلت بها نشرات وتعليقات الاذاعات العربية التي ترفع ضغطك فيتفجر بالعنتريات في عفوية تامة .
في ظل هذا الحصار , وهذه الاضواء الكشافة التي يسلطها العلم على كل ركن من الاركان , ومطاردة الشاعر المسكين في كل مكان وتجريده من كل تاج وطيلسان وصولجان , لم يبق له الا أن يلحق بجواده الجامح , رفيقه في النضال , وزميله في الكفاح , فيدخل هو الاخر عالم اللامعقول والغموض . وإذا كان الرسم قد حطم كل السنن والقواعد التي اتفقت عليها البشرية العاقلة , فرسم القدم مكان اليد , واحل الالمعدة محل الدماغ , والفم مكان الانف , فلابد للشاعر أن يحطم جدار الكلمات فيستعملها في غير ما وضعت له , لا بالاستعارة والتشبيه , فذلك من المجاز الذي تقبل به عبقرية اللغة ,
ولكن بتدمير الكيان اللغوي المتعارف عليه , وبدلا من ان تكون اللغة على يديه لغة تعميق ( للايصال ) صارت اللغة على يديه لغة تعميق ( للانفصال ) . وبدلا من ان يفك الشاعر عنه حالة الحصار , ذهب يشتكي الغربة والاغتراب والغزو العلمي وما صاحبه من استلاب , ولم يعد امام اطفال الشعر من خلاص الا ان يهدموا المعبد على من فيه , عملا بالقول ( علي وعلى اعدائي ).
وقد يتعزى الشاعر, بان خلف هذه الممارسات الاستلابية العلمية , شاعر كبير اركبه العلم فرس الخيال الجموح , فلم يطيق ان يكون محصورا في وزن او قافية ولكنه آثر الانتشار في جميع الارجاء.
ان الشعر يدخل اليوم , على جناح العلم , حياتنا اليومية بأكثر مما استطاعت المنظومة الشعرية أن تفعل , لقد غزا العلم ممالك الشعر وجرده من سلطانه المطلق , ولم يترك له سوى عكازا وأسمالا تذكره بنقطة انطلاقه الاولى . ولعل في نقطة الانطلاق الاولى يعثر الشاعر على فطرته وعفويته وسذاجته وغنائيته فيثير في الناس الحنين , الى الاصول والجذور , ولعله بهذا الحنين ينقذنا وينقذ نفسه .
إن الشاعر الحديث مخنوق بمختلف الظروف والضغوط والممارسات التي تسلط عليه , ولكن اشق هذه الضغوط , هي تلك التي يسلطها هو على ذاته في البحث عن الاقنعة التي تواري وجهه الحقيقي فرارا من العادي والمباشر والمالوف والمأنوس , تارةً في الرموز الغامضة واخرى في تحطيم معقولية اللغة جرياً وراء شهوة الابداع وهروبا من الاضواء العلمية الكاشفة التي تغلغلت في كل المغاور والكهوف .
ولعل من الخير ان يتامل الشاعر في عواقب هذه المحاصرة , ليطالعنا بذاته الحقيقية , فيحلق ويطير باجنحته الحقيقية , ولن تكون نهاية الشوط سوى الاغنية التي بدأ بها رحلته الاولى .
فالشاعر مغن .
والشعر اغنية .
ولم يخلد منه الا ما تغنت به الاجيال .