العقرب المصرى
11-04-2005, 01:00 AM
اخوانى واخواتى الاعزاء
فى هذا الجزء نستكمل ما بدأناه من قصة الاسطورة
رأفت الهجان
واليكم الجزء الثانى :
وصية الهجان
وصيتى. أضعها أمانة فى أيديكم الكريمة السلام على من اتبع الهدى.
بسم الله الرحمن الرحيم
إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها
لاغية، وهأنذا أقدم لسيادتكم وصيتى بعد تعديلها إلى ما هو آت: فى حالة عدم عودتى
حيا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أى أن تكتشف حقيقة أمرى فى إسرائيل
وينتهى بى الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد فى هذه الحال، وهو الإعدام، فإننى أرجو
صرف المبالغ الآتية:
1- لأخى من أبى سالم على الهجان، القاطن.. برقم.. شارع الإمام على مبلغ.. جنيه.
أعتقد أنه يساوى إن لم يكن يزيد على المبالغ التى صرفها على منذ وفاة المرحوم
والدى عام 1935، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء.
2- لأخى حبيب على الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم...، مبلغ... كان يدعى أنى
مدين له به، وليترحم على إن أراد
3- مبلغ... لشقيقتى العزيزة شريفة حرم الصاغ محمد رفيق والمقيمة بشارع الفيوم
رقم .. بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة منى لها، وأسألها الدعاء لى دائما بالرحمة.
4- المبلغ المتبقى من مستحقاتى يقسم كالآتى:
نصف المبلغ لطارق محمد رفيق نجل الصاغ محمد رفيق وشقيقتى شريفة، وليعلم
أننى كنت أكن له محبة كبيرة.
- النصف الثانى يصرف لملاجئ الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتى أمام الله، بعد أن
بذلت كل ما فى وسعى لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة
إنا لله وإنا إليه راجعون
أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدا رسول الله
الطودى يحكى القصة بخط يده:
لم أستطع أن أحبس دمعة فرت من عينى.. هكذا بدأت قصتى مع هذه العملية ذات
ليلة حارة فى فيلا منعزلة بين الحقول صيف عام 1958، وكنت فى ذلك الوقت قد
انتهيت لتوى، مع مجموعة قليلة العدد من الزملاء الشبان، من اتمام دورة تدريبية
متكاملة خاصة بالجوانب السرية البحتة من أعمال المخابرات، وكنا مكلفين بالعمل
على تطوير النشاط السرى الايجابى ضد الدول المعادية لمصر على أسس علمية سليمة.
وذلك بعد أن كان قد بدأ بالفعل فور قيام الثورة زملاء سابقون لنا، معتمدين على
جهودهم الشخصية، وما اكتسبوه من خبرة من واقع الاحتكاك الفعلى بالميدان.
وحتى ذلك الوقت كان جهاز المخابرات بالمعنى السليم للكلمة وليدا وليست هناك
دولة تعطى لأخرى خبراتها فى هذا المجال مهما تقاربت معها، وإن حدث وأعطتها
فإنها تعطيها خبرات قديمة عفا عليها الزمان، ولعل ذلك يلقى الضوء على الجهود
الهائلة التى بذلها هؤلاء الزملاء القدامى لوضع اللبنات الأولى لأجهزة العمل السرى
وللتوصل إلى برامج التدريب والاعداد السليمة، التى كان أول تطبيقها على مجموعتنا
الصغيرة وكنا قد اندمجنا فى العمل، فور انتهاء تدريبنا، تحت قيادة هؤلاء الزملاء
القدامى واشرافهم حيث تم تقسيمنا إلى مجموعات صغيرة متخصصة، وبدأ الأمر بتكليفنا
بدراسة العمليات الجارية من واقع ملفاتها السرية، تمهيدا لتطويرها فى الاتجاه الصحيح.
وكانت هذه العملية من نصيبى.
كان الملف صغيرا يحتوى على بضع صفحات، وكان أول من لفت نظرى فيه مظروف مكتوب
عليه بالخط النسخ الكبير.. وصية.. لا تفتح إلا بعد مماتى.. ولكن الظرف كان مفتوحا وعليه
عبارة صغيرة تقول فتح بمعرفتي وتحت توقيع رئيس جهاز العمل السري! نعم فالمخابرات
لا تعرف العواطف وإنما تتعامل مع الحقائق وجها لوجه.. انتقلت إلى الصفحة الأولى من الملف
وهى نموذج مطبوع يحتوى على البيانات الأساسية عن المندوب وهو ما اصطلحنا على اطلاقه
على المتعاونين، وليس الجاسوس أو العميل!!!، فوجدت فى خانة الملاحظات
عبارات أثارت دهشتى، فإحداها تقول إنه بارع فى التأقلم مع أى بيئة، وثانية تقول إنه جبان
لا يسعى بإيجابية للحصول على المعلومات، وإنما يعتمد على ما يسمع من أحاديث، وشائعات
وأخرى تقول إنه أبدى كفاءة أثناء العدوان الثلاثى، وبضع عبارات أخرى
بعضها مضيء وبعضها مظلم.. ولم اقتنع بهذا التناقض..
18 عاما خداعا لاسرائيل (قصه الجاسوس المصرى رفعت الجمال)
أشهر الجواسيس
بقلم رأفت الهجان.. شخصياً
منذ ظهر أدب الجاسوسية -بمفهومه الحالي- إلى الوجود، في عالمنا العربى، مع بدايات
ستينيات القرن العشرين، وعَبْر ما يزيد قليلاً عن أربعين عاماً، طالعتنا قصص
وعناوين مختلفة، تدور كلها -أو معظمها- عن عمليات قامت بها
أجهزة المخابرات، المصرية والعربية، أو حتى العالمية، وتردَّدت في العقول والأذهان
من خلال أوراق الصحف أو الكتب، أو شاشات السينما أو التليفزيون، أو الشبكات الإذاعية
أسماء العديد من الشخصيات، التي ساهمت في كتابة تاريخ المخابرات، سلباً أو إيجاباً.
مثل (هبة سليم)، تلك الجاسوسة المثقفة، ذات الطابع الخاص جداً، والتي لم تنجح مصريتها
في كبت أحلام وتطلُّعات طموحاتها المتفجِّرة، فاندفعت بكل عقلها ونشاطها،
ومواهبها المتعدِّدة، نحو طريق الخيانة، وطرحت هويتها تحت أقدام المخابرات الإسرائيلية
التي أوهمتها بأحلام التفوّق والقوة والنجاح، والتي لم تستيقظ منها، إلا وحبل المشنقة يلتفّ
حول عنقها الجميل. قبل حتى أن يعرف العامة قصتها، ويتابعون خيانتها، على شاشة السينما
من خلال أوَّل وأقوى فيلم عن عمليات المخابرات (الصعود إلى الهاوية)، والذي قدَّمها فيه الراحل
المبدع (صالح مرسى)، تحت اسم (عبلة كامل)، مع تلك العبارة الشهيرة
التي انحفرت لروعتها في كل الأذهان: (هي دي مصر يا عبلة)..
أيضاً أتحفنا التليفزيون المصرى، في بداية التسعينيات، بقصة (أحمد الهوَّان)، ذلك المصري البسيط
الذي لعب دوراً مزدوجاً مدهشاً، لخداع المخابرات الإسرائيلية، وانتزاع واحد من أفضل
وأحدث أجهزة الاتصال -أيامها- من بين أنياب ذئابها، في مسلسل حمل طابعاً فريداً
في ذلك الحين، باسم (دموع في عيون وقحة)، منح خلاله الأستاذ (صالح مرسى)، لبطل
القصة الحقيقى، اسماً يتناسب معه إيقاعياً كعادته (جمعة الشوَّان)..
ولكن، ومع كل ما ظهر إلى الوجود -عربياً- عبْر هذا النوع من الأدب، لم يحظ جاسوس واحد
بكل ذلك الاهتمام، وكل تلك الشهرة، المحلية والعالمية، أكثر من (رفعت علي سليمان الجمَّال)
ذلك المصري الشاب، الذي وصفه من التقطوه في بداياته بأنه أقرب إلى المحتال، منه إلى
رجل الأعمال، مع كل ما يجيده من مهارات وخبرات، وقدرة مدهشة على اجتذاب من حوله
والتأثير فيهم، وإقناعهم بأية رواية يُحِيكُها ذهنه، أو يتدرَّب عليها بإتقان..
ومنذ ظهور قصة (رفعت الجمَّال) إلى الوجود، كرواية مسلسلة، حملت اسم (رأفت الهجَّان).
في 3 يناير 1986م، في العدد رقم (3195) من مجلة (المصوِّر) المصرية، جذب الأمر انتباه الملايين
الذين طالعوا الأحداث في شغف مدهش، لم يسبق له مثيل، وتعلَّقوا بالشخصية إلى حد الهوس
وأدركوا جميعاً، سواء المتخصصين أو غيرهم، أنهم أمام ميلاد جديد، لروايات عالم المخابرات
وأدب الجاسوسية، وأمام بوَّابة جديدة فريدة، تنفتح لأوَّل مرة، على هذا النحو من القوة
أمام القارئ العادي..
وتحوَّلت القصة إلى مسلسل تليفزيوني، سيطر على عقل الملايين، في العالم العربي كله
وأثار جدلاً طويلاً، لم ينقطع حتى لحظة كتابة هذه السطور، في منطقة الشرق الأوسط بأكملها
بما فيها، أو لعل على رأسها، (إسرائيل) نفسها..
ولأن الأمر قد تحوَّل، من مجرَّد رواية في أدب الجاسوسية، تفتح بعض ملفات المخابرات المصرية
إلى صرعة لا مثيل لها، ولهفة لم تحدث من قبل، وتحمل اسم (رأفت الهجان)، فقد تداعت الأحداث
وانطلق الخيط بلا حدود، وراحت عشرات الصحف تنشر معلومات جديدة في كل يوم، عن حقيقة ذلك
الجاسوس المدهش، الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب (إسرائيل)، لينشئ ويدير
واحدة من أقوى شبكات الجاسوسية، ويبرع في خطة خداع عبقرية، ومنظومة مخابراتية
رفيعة المستوى، عبر ثمانية عشر عاماً كاملة، دون أن ينكشف أمره لحظة واحدة، على
عكس ما يدّعي الإسرائيليون الآن..
ومن بين كل المقالات، والأحاديث، والكتب العديدة، التي تحدَّثت عن (رفعت الجمَّال)
وحاولت كشف حقيقته، وهويته، وأسرار حياته، وبداياته، ومغامرته المذهلة، في قلب
المجتمع الإسرائيلى، لن تجد أفضل، أو أقوى، أو أكثر جذباً للانتباه، وإطلاقاً للفكر،
من هذا الكتاب، الذي نستعرضه هنا اليوم (18 عاماً خداعاً لإسرائيل - قصة الجاسوس
( المصري- رفعت الجمَّال)..
الكتاب صدر عن مركز الترجمة والنشر بالأهرام، ويحمل رقم الإيداع (4230/1994)..
وليس له رقم إيداع دولى!!..
وقوة هذا الكتاب لا تكمن في ما يحويه من صور نادرة، ومعلومات لم تنشر من قبل
عن حقيقة (رفعت الجمَّال)، ولافي التفاصيل المدهشة، التي تختلف كثيراً، في بعض
مواضعها، عما قرأناه في الرواية، أو شاهدناه على شاشات التليفزيون، وإنما تكمن
فيما اعتبره قنبلة حقيقية، لم تتفجرَّ في لغتنا العربية قط، في مثل هذا النوع من الأدب..
تكمن في أنه يحوي فصلاً كاملاً، كتبه (رفعت الجمَّال) بنفسه، عن قصة حياة (رفعت الجمَّال)
الجاسوس المصري الأشهر..
والكتاب في مجمله هو مذكرات كتبتها (فلتراود هاينريتش شبالت)، التي عُرفت
فيما بعد باسم (فلتراود بيتون)، أرملة (جاك بيتون)، وهو ذلك الاسم، الذي عُرف
به (رفعت الجمَّال)، منذ تحوَّل إلى هوية يهودية، والذي حمله في (إسرائيل)،
وفي (ألمانيا) رسمياً، حتى لحظة وفاته..
وينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، يتحدَّث الفصل الأوَّل منها عن حياة (فلتراود)
مع (جاك بيتون)، ولقائها به، والكثير من التفاصيل عن شخصيته، حسبما خبرتها
وعرفتها شخصياً، طوال فترة زواجهما..
وهذا الفصل يبدو أشبه بقصة رومانسية، ومناجاة لحبيب رحل، بأكثر مما يرتبط
بعالم المخابرات والجاسوسية، كما قد ترغب في قراءته إذا ما ابتعت الكتاب لهذا
الهدف بالتحديد، ولكن، وعلى الرغم من هذا، فالفصل الأوَّل يمنحك الكثير من المعلومات
الهامة، واللمحات شديدة الخطورة، بشأن شخصية (جاك بيتون)، وتغلغله القوى،
في قلب المجتمع الإسرائيلى، وبالذات ذلك الجزء الذي تقول فيه (فلتراود) في مذكراتها الشخصية:
"قضيت أياماً أضفي "لمسة المرأة" على الشقة، وذات يوم، وأنا عاكفة على
تنظيف المسكن دق جرس المنزل، وعندما فتحت الباب، لم أر للوهلة الأولى سوى
باقة كبيرة من الأزهار، وما إن انخفضت الباقة قليلاً، حتى طالعتني أعرض ابتسامةعرفتها..
رأيت رجلاً واقفاً أمامى، وعلى إحدى عينيه عصابة من القماش الأسود، قدَّم إليَّ باقة الورد، قائلاً :
- أردت فقط أن أشاهد الغلطة، التي ارتكبها جاك بيتون.
ثم انصرف لا يلوي على شئ. أدركت أنه موشي ديان، وعرفت بعد ذلك أنه أقرب أصدقاء جاك.."
وفقاً لرواية (فلتراود)، كانت توجد إذن صداقة قوية بين وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شخصياً
وبين (جاك بيتون)، الجاسوس المصري، الذي زرعته المخابرات العامة، في قلب (إسرائيل)..
فياللخطورة!..
ويا للقوة!..
ولم تكتف (فلتراود) بهذا القدر في روايتها، وإنما تقول في موضع آخر:
"كان أقرب الأصدقاء لنا هم موشي ديان، وجولدا مائير، وبن جوريون، وعزرا وايزمان
وكان جاك وموشي وعزرا أشبه بالفرسان الثلاثة، وكانوا عندما يجتمعون معاً، نادراً
ما يعكر صفوهم أي شئ، كانت حياتهم معاً مزاحاً في مزاح، أما جولدا مائير وبن جوريون
فكانا بمثابة الأبوين بالنسبة له. لقد تقبَّلاني برضاً وترحاب وأبْدَيَا عطفاً كبيراً نحوي،
وكثيراً ما كانت جولدا مائير تسألني عما إذا كان جاك يحسن معاملتي أم لا..؟"
إذن فالجاسوس المصري، حسبما تذكر (فلتراود)، كان صديقاً لأكبر ثلاثة أسماء في
(إسرائيل) كلها، في ذلك الحين!!..
هل يمكنك أن تدرك ما الذي يمكن أن يعنيه هذا، وأي نجاح ذلك، الذي حققه
رجلنا في (تل أبيب)؟!!..
وبغض النظر عن تلك الوقفات المثيرة للدهشة والتساؤل، فهذا الفصل من الكتاب
يمضي مع ذكريات (فلتراود) حتى لحظة وفاة زوجها (جاك بيتون)، في الثلاثين
من يناير 1982م، في (دارمشتاد) في (ألمانيا)..
وبعد عدة صفحات، تحوي مجموعة من الصور الهامة لمراحل حياة (جاك بيتون)
ينتقل بنا الكتاب إلى الجزء الثاني والخطير، والأكثر أهمية في الكتاب كله..
إلى قصة حياة (رفعت الجمَّال)، كما رواها هو…
شخصياً..
وهذا الجزء هو الترجمة الحرفية لعدد كبير من الصفحات، التي كتبها (جاك بيتون)
بخط يده، باللغة الإنجليزية وتركها لدى محاميه؛ ليسلّمها إلى زوجته (فلتراود)،
بعد فترة حدَّدها بثلاث سنوات من وفاته، باعتبار أنها ستكون فترة كافية لتستعيد
تماسكها، واستعادة قوتها، بحيث يمكنها تحمُّل الصدمة التي ستشعر بها، عند
قراءتها مذكراته الخاصة، كما يقول بنص كلماته، في مقدِّمة المذكرات، و..
يبدأ (رفعت في رواية قصة حياته، منذ مولده، في مدينة (دمياط)، في الأوَّل من
يوليو 1927م، لأب ( علي سليمان الجمّال)، تاجر فحم بالجملة، وأم (رتيبة علي أبو عوض)
، من أسرة راقية، تتحدَّث الإنجليزية والفرنسية، اللتين تعلمتهما في إحدى المدارس الخاصة..
وفي بداية مذكراته، يتحدَّث (رفعت علي سليمان الجمَّال) عن أخيه غير الشقيق (سامي)
، وعن شقيقه (لبيب) و(نزيهة)، ويؤكِّد احترامه وتقديره الشديدين للأخ غير الشقيق (سامي)،
الذي تولَّى شئون الأسرة كلها، بعد وفاة الأب عام 1936م، والذي كان مدرساً خصوصياً
للغة الإنجليزية، لأخوي الملكة (فريدة)، مما يعني أنه كان يتمتَّع بمكانة محترمة للغاية..
وفي (مصر الجديدة)، نشأ (رفعت) وترعرع، تحت رعاية (سامي)، الذي نقل الأسرة كلها
إلى (القاهرة)، بعد وفاة الوالد، والتحق (رفعت) هناك بمدرسة للتجارة المتوسِّطة، وهو
في الرابعة عشرة من عمره، بناءً على ضغط الأسرة، التي رأت أن طبيعته غير المسؤولة
، لن تساعده على النجاح في التعليم الجامعى..
وفي مدرسته التجارية المتوسِّطة، انبهر (رفعت) بالبريطانيين، الذين كانوا يقاومون
الجيوش النازية باستماتة، مما دفعه إلى التحدُّث بالإنجليزية، بلكنة بريطانية، كما تعلَّق
كثيراً بأستاذه الباريسي، الذي علَّمه أن يتحدَّث الفرنسية بلكنة الفرنسيين، حتى
أجاد اللغتين، وبرع في التحدُّث بهما، مما كان له أبلغ الأثر في مستقبله فيما بعد..
وفي تلك الفترة أيضاً، كان للسينما سحر كبير، في نفوس الشباب، في كافة أنحاء العالم
، مما جذب انتباه (رفعت)، وغرامه، وطموحه، إلى الحد الذي جعله يحلم بالعمل في السينما
ذات يوم، حتى أنه، وأثناء رحلة مدرسية إلى ستوديوهات السينما، تسلَّل إلى حجرة الفنان
(بشارة واكيم)، وراح يقلِّد أدواره، حتى ضبطه الممثل الكبير متلبساً، وراق له ما يفعله،
فسأله عن اسمه وأسرته، ثم نصحه بالاهتمام بدارسته أوَّلاً، والعودة بعد الانتهاء منها،
للبحث عن دور في عالم السينما..
وفي ذلك اليوم، شعر (رفعت) الصبي بنشوة غامرة، وقرَّر أن يكمل دراسته، ليصبح ممثلاً..
وفي بدايات عام 1943م، تزوَّجت شقيقته (نزيهة) من الملازم أوَّل (أحمد شفيق)،
وانتقلت الأم إلى (دكرنس)، واستعد (سامي) للزواج من ابنة (محرم فهيم)،
رئيس نقابة المحامين - آنذاك - وأصبح من الضروري أن ينتقل (رفعت) مع شقيقه (لبيب)
، الذى أصبح محاسباً في بنك (باركليز)، إلى شقة أخرى، استأجرها لهما (سامي)
، بالقرب من ميدان (لاظوغلي)..
ووفقاً لمذكراته، التقى (رفعت) بالممثل (بشارة واكيم) مرة أخرى، في عام 1945م،
فتذكَّره الرجل، ومنحه دوراً صغيراً في أحد أفلامه، لتتغيِّر بعدها حياته تماماً؛
فمع الزهو الذى شعر به، مع عرض الفيلم، على الرغم من صغر دوره، بدأ زملاء الدراسة
يعاملونه كنجم سينمائي، وأحاطوه باهتمامهم، وأسئلتهم، وغيرتهم أيضاً، مما ضاعف
من إحساسه بالثقة، وساعده على إنهاء دراسته، في صيف 1946م، ليعمل مرة أخرى
في أفلام الفنان (بشارة واكيم)، ويلتقي بأوَّل حب في حياته.. (بيتي)..
وعلى الرغم من أن مذكرات (رفعت) تحمل اسم (بيتي)، التي وصفها بأنها راقصة شابة
، مراهقة وطائشة، وتكبره بعام واحد، إلا أن بعض الآراء تعتقد أن المقصود هنا هو
الراقصة (كيتي)، اليهودية الشابة، التي تورَّطت فيما بعد، مع شبكة جاسوسية أخرى
وفرَّت تحت جنح الظلام من (مصر) كلها، ولم تُسمع أخبارها بعدها قط.
انتقل للعيش معها، مما أثار غضب (لبيب)، وتسبَّب له في مشكلات عائلية عديدة
جعلته يتخلَّى فى النهاية عن (بيتي)، وعن العمل فى السينما، ليتقدَّم بطلب وظيفة
لدى شركة بترول أجنبية، على ساحل البحر الأحمر، ويفوز بها بجدارة؛ بسبب
إجادته للفرنسية والإنجليزية بطلاقة..
ولقد نجح (رفعت) فى عمله إلى حد كبير، وبالذات لأنه يعمل في (رأس غارب)
على مسافة تقرب من مائتي كيلو متر، بعيداً عن (القاهرة)، التي فر من مشاكله
العديدة بها، ورفض بإصرار العودة إليها، عندما تم نقله إلى الفرع الرئيسي بها
كنوع من الترقية..
ورفض (رفعت) الترقية، ورفض الوظيفة كلها، وتحيَّن فرصة لقائه برجل أعمال سكندري
ربطته به علاقة وثيقة أثناء عمله، ليطلب منه العمل لديه، ولينتقل بعدها بالفعل إلى (الإسكندرية)..
وارتبط (رفعت) برجل الأعمال السكندري هذا ارتباطاً وثيقاً، وشعر في منزله بدفء الأسرة
الذي افتقده طويلاً، بل وخفق قلبه هناك بحب (هدى)، ابنة رجل الأعمال، الذي لم يعترض
على نمو هذه العلاقة، بعد أن اعتبر أن (رفعت) بمثابة ابنه، الذي لم ينجبه أبداً..
وكان من الممكن أن ينمو هذا الحب، ويزدهر، وينتهي بزواج، واستقرار،
وأسرة بسيطة وسعيدة، و…
ولكن القدر كان يدخر مفاجأة كبيرة لبطلنا، هي بالضبط ما رأيناه وتابعناه جميعاً
على شاشة التليفزيون، في المسلسل الشهير..
مهمة متابعة، لفرع الشركة في (القاهرة)، تحوَّلت إلى عملية احتيال، من مدير الفرع الخبيث
وانتهت باتهام (رفعت) بالاختلاس والسرقة..
وعلى الرغم من أن رجل الأعمال السكندري كان يدرك أن (رفعت) قد سقط في فخ محكم
إلا أنه اضطر لفصله من وظيفته، تجنباً لإجراء أية تحقيقات رسمية، في نفس الوقت الذي
أوصى فيه بتعيينه كمساعد ضابط حسابات، على متن سفينة الشحن (حورس)..
وأثناء عمله على السفينة، وتوقفها فى (ليفربول) البريطانية،ثم وعاد إلى (مصر)
في مارس 1950، إلا أنه لم يلبث أن عمل على متن سفينة شحن فرنسية، سافر معها
إلى (مرسيليا)، ثم هجرها إلى (باريس)، حيث أجاد اللغة الفرنسية إجادة تامة,ومرة أخرى
وبتأشيرة زيارة قصيرة، سافر (رفعت) إلى (بريطانيا)، بحجة استشارة الطبيب، الذي
أجرى له عملية الزائدة، واستقر ليعمل هناك في وكالة للسفريات، تحمل اسم (سلتيك تورز)..
وفي هذه المرة أيضاً، ومع النجاح الذي حققه في عمله
كان من الممكن أن يستقر (رفعت) في (لندن)، وأن يحصل على إقامة رسمية بها، بل
وأن يصبح من كبار خبراء السياحة فيها، لولا أنه، وأثناء قيامه بعقد صفقة لحساب
الشركة في (نيويورك)، تلقَّى عرضاً من صاحب شركة أمريكية، بدا له مناسباً للغاية
فقبله على الفور، ودون تفكير، وقرَّر الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الوقت
دون تأشيرة عمل رسمية، أو بطاقة ضمان اجتماعي خضراء..
ولعل هذا أسوأ قرار اتخذه (رفعت الجمَّال) في حياته، أو أن القدر كان يدخر له بالفعل
ذلك الدور، االذي صنع منه حالة فريدة في عالم الجاسوسية، ويدفعه إليه دفعاً بلا هوادة..
فمنذ اتخذ قراره هذا، اضطربت حياة (رفعت) تماماً..
إدارة الهجرة بدأت تطارده، وصاحب العمل تخلّى عنه، وتم وضع اسمه فى القائمة
السوداء في (أمريكا)، مما اضطره للهرب إلى (كندا)، ومنها إلى (فرانكفورت) في
(ألمانيا)، التي حصل على تأشيرة ترانزيت بها، باعتبارها مجرَّد محطة، للوصول إلى (النمسا)..
ولكن عبثه أيضاً صنع له مشكلة ضخمة في (فرانكفورت و للا سف سرقت منه نقودة
و جواز سفرففي تلك الفترة بالذات، كان الكثيرون من النازيين السابقين، يسعون للفرار
من (ألمانيا)، ويشترون، في سبيل هذا، جوازات سفر أجنبية..
ولقد اتهمه القنصل المصري هناك بأنه قد باع جواز سفره، ورفض أن يمنحه وثيقة سفر
بدلاً منه، ثم لم تلبث الشرطة الألمانية أن ألقت القبض عليه، وتم سجنه لبعض الوقت، قبل
أن يرحل قسراً، على متن أوَّل طائرة، عائداً إلى البلد الذي جاهد للابتعاد عنه..
إلى (مصر)..
وهناك بدأت مرحلة جديدة..
وخطيرة.........
وهنا نكتفى بهذا القدر ونلتقى بالجزء الثالث والاخير ان شاء الله قريبا
وتقبلوا تحياتى الخالصة لكم .
العقرب المصرى
فى هذا الجزء نستكمل ما بدأناه من قصة الاسطورة
رأفت الهجان
واليكم الجزء الثانى :
وصية الهجان
وصيتى. أضعها أمانة فى أيديكم الكريمة السلام على من اتبع الهدى.
بسم الله الرحمن الرحيم
إنا لله وإنا إليه راجعون لقد سبق وتركت معكم ما يشبه وصية، وأرجو التكرم باعتبارها
لاغية، وهأنذا أقدم لسيادتكم وصيتى بعد تعديلها إلى ما هو آت: فى حالة عدم عودتى
حيا أرزق إلى أرض الوطن الحبيب مصر أى أن تكتشف حقيقة أمرى فى إسرائيل
وينتهى بى الأمر إلى المصير المحتوم الوحيد فى هذه الحال، وهو الإعدام، فإننى أرجو
صرف المبالغ الآتية:
1- لأخى من أبى سالم على الهجان، القاطن.. برقم.. شارع الإمام على مبلغ.. جنيه.
أعتقد أنه يساوى إن لم يكن يزيد على المبالغ التى صرفها على منذ وفاة المرحوم
والدى عام 1935، وبذلك أصبح غير مدين له بشيء.
2- لأخى حبيب على الهجان، ومكتبه بشارع عماد الدين رقم...، مبلغ... كان يدعى أنى
مدين له به، وليترحم على إن أراد
3- مبلغ... لشقيقتى العزيزة شريفة حرم الصاغ محمد رفيق والمقيمة بشارع الفيوم
رقم .. بمصر الجديدة بصفة هدية رمزية متواضعة منى لها، وأسألها الدعاء لى دائما بالرحمة.
4- المبلغ المتبقى من مستحقاتى يقسم كالآتى:
نصف المبلغ لطارق محمد رفيق نجل الصاغ محمد رفيق وشقيقتى شريفة، وليعلم
أننى كنت أكن له محبة كبيرة.
- النصف الثانى يصرف لملاجئ الأيتام بذلك أكون قد أبرأت ذمتى أمام الله، بعد أن
بذلت كل ما فى وسعى لخدمة الوطن العزيز، والله أكبر والعزة لمصر الحبيبة
إنا لله وإنا إليه راجعون
أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدا رسول الله
الطودى يحكى القصة بخط يده:
لم أستطع أن أحبس دمعة فرت من عينى.. هكذا بدأت قصتى مع هذه العملية ذات
ليلة حارة فى فيلا منعزلة بين الحقول صيف عام 1958، وكنت فى ذلك الوقت قد
انتهيت لتوى، مع مجموعة قليلة العدد من الزملاء الشبان، من اتمام دورة تدريبية
متكاملة خاصة بالجوانب السرية البحتة من أعمال المخابرات، وكنا مكلفين بالعمل
على تطوير النشاط السرى الايجابى ضد الدول المعادية لمصر على أسس علمية سليمة.
وذلك بعد أن كان قد بدأ بالفعل فور قيام الثورة زملاء سابقون لنا، معتمدين على
جهودهم الشخصية، وما اكتسبوه من خبرة من واقع الاحتكاك الفعلى بالميدان.
وحتى ذلك الوقت كان جهاز المخابرات بالمعنى السليم للكلمة وليدا وليست هناك
دولة تعطى لأخرى خبراتها فى هذا المجال مهما تقاربت معها، وإن حدث وأعطتها
فإنها تعطيها خبرات قديمة عفا عليها الزمان، ولعل ذلك يلقى الضوء على الجهود
الهائلة التى بذلها هؤلاء الزملاء القدامى لوضع اللبنات الأولى لأجهزة العمل السرى
وللتوصل إلى برامج التدريب والاعداد السليمة، التى كان أول تطبيقها على مجموعتنا
الصغيرة وكنا قد اندمجنا فى العمل، فور انتهاء تدريبنا، تحت قيادة هؤلاء الزملاء
القدامى واشرافهم حيث تم تقسيمنا إلى مجموعات صغيرة متخصصة، وبدأ الأمر بتكليفنا
بدراسة العمليات الجارية من واقع ملفاتها السرية، تمهيدا لتطويرها فى الاتجاه الصحيح.
وكانت هذه العملية من نصيبى.
كان الملف صغيرا يحتوى على بضع صفحات، وكان أول من لفت نظرى فيه مظروف مكتوب
عليه بالخط النسخ الكبير.. وصية.. لا تفتح إلا بعد مماتى.. ولكن الظرف كان مفتوحا وعليه
عبارة صغيرة تقول فتح بمعرفتي وتحت توقيع رئيس جهاز العمل السري! نعم فالمخابرات
لا تعرف العواطف وإنما تتعامل مع الحقائق وجها لوجه.. انتقلت إلى الصفحة الأولى من الملف
وهى نموذج مطبوع يحتوى على البيانات الأساسية عن المندوب وهو ما اصطلحنا على اطلاقه
على المتعاونين، وليس الجاسوس أو العميل!!!، فوجدت فى خانة الملاحظات
عبارات أثارت دهشتى، فإحداها تقول إنه بارع فى التأقلم مع أى بيئة، وثانية تقول إنه جبان
لا يسعى بإيجابية للحصول على المعلومات، وإنما يعتمد على ما يسمع من أحاديث، وشائعات
وأخرى تقول إنه أبدى كفاءة أثناء العدوان الثلاثى، وبضع عبارات أخرى
بعضها مضيء وبعضها مظلم.. ولم اقتنع بهذا التناقض..
18 عاما خداعا لاسرائيل (قصه الجاسوس المصرى رفعت الجمال)
أشهر الجواسيس
بقلم رأفت الهجان.. شخصياً
منذ ظهر أدب الجاسوسية -بمفهومه الحالي- إلى الوجود، في عالمنا العربى، مع بدايات
ستينيات القرن العشرين، وعَبْر ما يزيد قليلاً عن أربعين عاماً، طالعتنا قصص
وعناوين مختلفة، تدور كلها -أو معظمها- عن عمليات قامت بها
أجهزة المخابرات، المصرية والعربية، أو حتى العالمية، وتردَّدت في العقول والأذهان
من خلال أوراق الصحف أو الكتب، أو شاشات السينما أو التليفزيون، أو الشبكات الإذاعية
أسماء العديد من الشخصيات، التي ساهمت في كتابة تاريخ المخابرات، سلباً أو إيجاباً.
مثل (هبة سليم)، تلك الجاسوسة المثقفة، ذات الطابع الخاص جداً، والتي لم تنجح مصريتها
في كبت أحلام وتطلُّعات طموحاتها المتفجِّرة، فاندفعت بكل عقلها ونشاطها،
ومواهبها المتعدِّدة، نحو طريق الخيانة، وطرحت هويتها تحت أقدام المخابرات الإسرائيلية
التي أوهمتها بأحلام التفوّق والقوة والنجاح، والتي لم تستيقظ منها، إلا وحبل المشنقة يلتفّ
حول عنقها الجميل. قبل حتى أن يعرف العامة قصتها، ويتابعون خيانتها، على شاشة السينما
من خلال أوَّل وأقوى فيلم عن عمليات المخابرات (الصعود إلى الهاوية)، والذي قدَّمها فيه الراحل
المبدع (صالح مرسى)، تحت اسم (عبلة كامل)، مع تلك العبارة الشهيرة
التي انحفرت لروعتها في كل الأذهان: (هي دي مصر يا عبلة)..
أيضاً أتحفنا التليفزيون المصرى، في بداية التسعينيات، بقصة (أحمد الهوَّان)، ذلك المصري البسيط
الذي لعب دوراً مزدوجاً مدهشاً، لخداع المخابرات الإسرائيلية، وانتزاع واحد من أفضل
وأحدث أجهزة الاتصال -أيامها- من بين أنياب ذئابها، في مسلسل حمل طابعاً فريداً
في ذلك الحين، باسم (دموع في عيون وقحة)، منح خلاله الأستاذ (صالح مرسى)، لبطل
القصة الحقيقى، اسماً يتناسب معه إيقاعياً كعادته (جمعة الشوَّان)..
ولكن، ومع كل ما ظهر إلى الوجود -عربياً- عبْر هذا النوع من الأدب، لم يحظ جاسوس واحد
بكل ذلك الاهتمام، وكل تلك الشهرة، المحلية والعالمية، أكثر من (رفعت علي سليمان الجمَّال)
ذلك المصري الشاب، الذي وصفه من التقطوه في بداياته بأنه أقرب إلى المحتال، منه إلى
رجل الأعمال، مع كل ما يجيده من مهارات وخبرات، وقدرة مدهشة على اجتذاب من حوله
والتأثير فيهم، وإقناعهم بأية رواية يُحِيكُها ذهنه، أو يتدرَّب عليها بإتقان..
ومنذ ظهور قصة (رفعت الجمَّال) إلى الوجود، كرواية مسلسلة، حملت اسم (رأفت الهجَّان).
في 3 يناير 1986م، في العدد رقم (3195) من مجلة (المصوِّر) المصرية، جذب الأمر انتباه الملايين
الذين طالعوا الأحداث في شغف مدهش، لم يسبق له مثيل، وتعلَّقوا بالشخصية إلى حد الهوس
وأدركوا جميعاً، سواء المتخصصين أو غيرهم، أنهم أمام ميلاد جديد، لروايات عالم المخابرات
وأدب الجاسوسية، وأمام بوَّابة جديدة فريدة، تنفتح لأوَّل مرة، على هذا النحو من القوة
أمام القارئ العادي..
وتحوَّلت القصة إلى مسلسل تليفزيوني، سيطر على عقل الملايين، في العالم العربي كله
وأثار جدلاً طويلاً، لم ينقطع حتى لحظة كتابة هذه السطور، في منطقة الشرق الأوسط بأكملها
بما فيها، أو لعل على رأسها، (إسرائيل) نفسها..
ولأن الأمر قد تحوَّل، من مجرَّد رواية في أدب الجاسوسية، تفتح بعض ملفات المخابرات المصرية
إلى صرعة لا مثيل لها، ولهفة لم تحدث من قبل، وتحمل اسم (رأفت الهجان)، فقد تداعت الأحداث
وانطلق الخيط بلا حدود، وراحت عشرات الصحف تنشر معلومات جديدة في كل يوم، عن حقيقة ذلك
الجاسوس المدهش، الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب (إسرائيل)، لينشئ ويدير
واحدة من أقوى شبكات الجاسوسية، ويبرع في خطة خداع عبقرية، ومنظومة مخابراتية
رفيعة المستوى، عبر ثمانية عشر عاماً كاملة، دون أن ينكشف أمره لحظة واحدة، على
عكس ما يدّعي الإسرائيليون الآن..
ومن بين كل المقالات، والأحاديث، والكتب العديدة، التي تحدَّثت عن (رفعت الجمَّال)
وحاولت كشف حقيقته، وهويته، وأسرار حياته، وبداياته، ومغامرته المذهلة، في قلب
المجتمع الإسرائيلى، لن تجد أفضل، أو أقوى، أو أكثر جذباً للانتباه، وإطلاقاً للفكر،
من هذا الكتاب، الذي نستعرضه هنا اليوم (18 عاماً خداعاً لإسرائيل - قصة الجاسوس
( المصري- رفعت الجمَّال)..
الكتاب صدر عن مركز الترجمة والنشر بالأهرام، ويحمل رقم الإيداع (4230/1994)..
وليس له رقم إيداع دولى!!..
وقوة هذا الكتاب لا تكمن في ما يحويه من صور نادرة، ومعلومات لم تنشر من قبل
عن حقيقة (رفعت الجمَّال)، ولافي التفاصيل المدهشة، التي تختلف كثيراً، في بعض
مواضعها، عما قرأناه في الرواية، أو شاهدناه على شاشات التليفزيون، وإنما تكمن
فيما اعتبره قنبلة حقيقية، لم تتفجرَّ في لغتنا العربية قط، في مثل هذا النوع من الأدب..
تكمن في أنه يحوي فصلاً كاملاً، كتبه (رفعت الجمَّال) بنفسه، عن قصة حياة (رفعت الجمَّال)
الجاسوس المصري الأشهر..
والكتاب في مجمله هو مذكرات كتبتها (فلتراود هاينريتش شبالت)، التي عُرفت
فيما بعد باسم (فلتراود بيتون)، أرملة (جاك بيتون)، وهو ذلك الاسم، الذي عُرف
به (رفعت الجمَّال)، منذ تحوَّل إلى هوية يهودية، والذي حمله في (إسرائيل)،
وفي (ألمانيا) رسمياً، حتى لحظة وفاته..
وينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، يتحدَّث الفصل الأوَّل منها عن حياة (فلتراود)
مع (جاك بيتون)، ولقائها به، والكثير من التفاصيل عن شخصيته، حسبما خبرتها
وعرفتها شخصياً، طوال فترة زواجهما..
وهذا الفصل يبدو أشبه بقصة رومانسية، ومناجاة لحبيب رحل، بأكثر مما يرتبط
بعالم المخابرات والجاسوسية، كما قد ترغب في قراءته إذا ما ابتعت الكتاب لهذا
الهدف بالتحديد، ولكن، وعلى الرغم من هذا، فالفصل الأوَّل يمنحك الكثير من المعلومات
الهامة، واللمحات شديدة الخطورة، بشأن شخصية (جاك بيتون)، وتغلغله القوى،
في قلب المجتمع الإسرائيلى، وبالذات ذلك الجزء الذي تقول فيه (فلتراود) في مذكراتها الشخصية:
"قضيت أياماً أضفي "لمسة المرأة" على الشقة، وذات يوم، وأنا عاكفة على
تنظيف المسكن دق جرس المنزل، وعندما فتحت الباب، لم أر للوهلة الأولى سوى
باقة كبيرة من الأزهار، وما إن انخفضت الباقة قليلاً، حتى طالعتني أعرض ابتسامةعرفتها..
رأيت رجلاً واقفاً أمامى، وعلى إحدى عينيه عصابة من القماش الأسود، قدَّم إليَّ باقة الورد، قائلاً :
- أردت فقط أن أشاهد الغلطة، التي ارتكبها جاك بيتون.
ثم انصرف لا يلوي على شئ. أدركت أنه موشي ديان، وعرفت بعد ذلك أنه أقرب أصدقاء جاك.."
وفقاً لرواية (فلتراود)، كانت توجد إذن صداقة قوية بين وزير الدفاع الإسرائيلي السابق شخصياً
وبين (جاك بيتون)، الجاسوس المصري، الذي زرعته المخابرات العامة، في قلب (إسرائيل)..
فياللخطورة!..
ويا للقوة!..
ولم تكتف (فلتراود) بهذا القدر في روايتها، وإنما تقول في موضع آخر:
"كان أقرب الأصدقاء لنا هم موشي ديان، وجولدا مائير، وبن جوريون، وعزرا وايزمان
وكان جاك وموشي وعزرا أشبه بالفرسان الثلاثة، وكانوا عندما يجتمعون معاً، نادراً
ما يعكر صفوهم أي شئ، كانت حياتهم معاً مزاحاً في مزاح، أما جولدا مائير وبن جوريون
فكانا بمثابة الأبوين بالنسبة له. لقد تقبَّلاني برضاً وترحاب وأبْدَيَا عطفاً كبيراً نحوي،
وكثيراً ما كانت جولدا مائير تسألني عما إذا كان جاك يحسن معاملتي أم لا..؟"
إذن فالجاسوس المصري، حسبما تذكر (فلتراود)، كان صديقاً لأكبر ثلاثة أسماء في
(إسرائيل) كلها، في ذلك الحين!!..
هل يمكنك أن تدرك ما الذي يمكن أن يعنيه هذا، وأي نجاح ذلك، الذي حققه
رجلنا في (تل أبيب)؟!!..
وبغض النظر عن تلك الوقفات المثيرة للدهشة والتساؤل، فهذا الفصل من الكتاب
يمضي مع ذكريات (فلتراود) حتى لحظة وفاة زوجها (جاك بيتون)، في الثلاثين
من يناير 1982م، في (دارمشتاد) في (ألمانيا)..
وبعد عدة صفحات، تحوي مجموعة من الصور الهامة لمراحل حياة (جاك بيتون)
ينتقل بنا الكتاب إلى الجزء الثاني والخطير، والأكثر أهمية في الكتاب كله..
إلى قصة حياة (رفعت الجمَّال)، كما رواها هو…
شخصياً..
وهذا الجزء هو الترجمة الحرفية لعدد كبير من الصفحات، التي كتبها (جاك بيتون)
بخط يده، باللغة الإنجليزية وتركها لدى محاميه؛ ليسلّمها إلى زوجته (فلتراود)،
بعد فترة حدَّدها بثلاث سنوات من وفاته، باعتبار أنها ستكون فترة كافية لتستعيد
تماسكها، واستعادة قوتها، بحيث يمكنها تحمُّل الصدمة التي ستشعر بها، عند
قراءتها مذكراته الخاصة، كما يقول بنص كلماته، في مقدِّمة المذكرات، و..
يبدأ (رفعت في رواية قصة حياته، منذ مولده، في مدينة (دمياط)، في الأوَّل من
يوليو 1927م، لأب ( علي سليمان الجمّال)، تاجر فحم بالجملة، وأم (رتيبة علي أبو عوض)
، من أسرة راقية، تتحدَّث الإنجليزية والفرنسية، اللتين تعلمتهما في إحدى المدارس الخاصة..
وفي بداية مذكراته، يتحدَّث (رفعت علي سليمان الجمَّال) عن أخيه غير الشقيق (سامي)
، وعن شقيقه (لبيب) و(نزيهة)، ويؤكِّد احترامه وتقديره الشديدين للأخ غير الشقيق (سامي)،
الذي تولَّى شئون الأسرة كلها، بعد وفاة الأب عام 1936م، والذي كان مدرساً خصوصياً
للغة الإنجليزية، لأخوي الملكة (فريدة)، مما يعني أنه كان يتمتَّع بمكانة محترمة للغاية..
وفي (مصر الجديدة)، نشأ (رفعت) وترعرع، تحت رعاية (سامي)، الذي نقل الأسرة كلها
إلى (القاهرة)، بعد وفاة الوالد، والتحق (رفعت) هناك بمدرسة للتجارة المتوسِّطة، وهو
في الرابعة عشرة من عمره، بناءً على ضغط الأسرة، التي رأت أن طبيعته غير المسؤولة
، لن تساعده على النجاح في التعليم الجامعى..
وفي مدرسته التجارية المتوسِّطة، انبهر (رفعت) بالبريطانيين، الذين كانوا يقاومون
الجيوش النازية باستماتة، مما دفعه إلى التحدُّث بالإنجليزية، بلكنة بريطانية، كما تعلَّق
كثيراً بأستاذه الباريسي، الذي علَّمه أن يتحدَّث الفرنسية بلكنة الفرنسيين، حتى
أجاد اللغتين، وبرع في التحدُّث بهما، مما كان له أبلغ الأثر في مستقبله فيما بعد..
وفي تلك الفترة أيضاً، كان للسينما سحر كبير، في نفوس الشباب، في كافة أنحاء العالم
، مما جذب انتباه (رفعت)، وغرامه، وطموحه، إلى الحد الذي جعله يحلم بالعمل في السينما
ذات يوم، حتى أنه، وأثناء رحلة مدرسية إلى ستوديوهات السينما، تسلَّل إلى حجرة الفنان
(بشارة واكيم)، وراح يقلِّد أدواره، حتى ضبطه الممثل الكبير متلبساً، وراق له ما يفعله،
فسأله عن اسمه وأسرته، ثم نصحه بالاهتمام بدارسته أوَّلاً، والعودة بعد الانتهاء منها،
للبحث عن دور في عالم السينما..
وفي ذلك اليوم، شعر (رفعت) الصبي بنشوة غامرة، وقرَّر أن يكمل دراسته، ليصبح ممثلاً..
وفي بدايات عام 1943م، تزوَّجت شقيقته (نزيهة) من الملازم أوَّل (أحمد شفيق)،
وانتقلت الأم إلى (دكرنس)، واستعد (سامي) للزواج من ابنة (محرم فهيم)،
رئيس نقابة المحامين - آنذاك - وأصبح من الضروري أن ينتقل (رفعت) مع شقيقه (لبيب)
، الذى أصبح محاسباً في بنك (باركليز)، إلى شقة أخرى، استأجرها لهما (سامي)
، بالقرب من ميدان (لاظوغلي)..
ووفقاً لمذكراته، التقى (رفعت) بالممثل (بشارة واكيم) مرة أخرى، في عام 1945م،
فتذكَّره الرجل، ومنحه دوراً صغيراً في أحد أفلامه، لتتغيِّر بعدها حياته تماماً؛
فمع الزهو الذى شعر به، مع عرض الفيلم، على الرغم من صغر دوره، بدأ زملاء الدراسة
يعاملونه كنجم سينمائي، وأحاطوه باهتمامهم، وأسئلتهم، وغيرتهم أيضاً، مما ضاعف
من إحساسه بالثقة، وساعده على إنهاء دراسته، في صيف 1946م، ليعمل مرة أخرى
في أفلام الفنان (بشارة واكيم)، ويلتقي بأوَّل حب في حياته.. (بيتي)..
وعلى الرغم من أن مذكرات (رفعت) تحمل اسم (بيتي)، التي وصفها بأنها راقصة شابة
، مراهقة وطائشة، وتكبره بعام واحد، إلا أن بعض الآراء تعتقد أن المقصود هنا هو
الراقصة (كيتي)، اليهودية الشابة، التي تورَّطت فيما بعد، مع شبكة جاسوسية أخرى
وفرَّت تحت جنح الظلام من (مصر) كلها، ولم تُسمع أخبارها بعدها قط.
انتقل للعيش معها، مما أثار غضب (لبيب)، وتسبَّب له في مشكلات عائلية عديدة
جعلته يتخلَّى فى النهاية عن (بيتي)، وعن العمل فى السينما، ليتقدَّم بطلب وظيفة
لدى شركة بترول أجنبية، على ساحل البحر الأحمر، ويفوز بها بجدارة؛ بسبب
إجادته للفرنسية والإنجليزية بطلاقة..
ولقد نجح (رفعت) فى عمله إلى حد كبير، وبالذات لأنه يعمل في (رأس غارب)
على مسافة تقرب من مائتي كيلو متر، بعيداً عن (القاهرة)، التي فر من مشاكله
العديدة بها، ورفض بإصرار العودة إليها، عندما تم نقله إلى الفرع الرئيسي بها
كنوع من الترقية..
ورفض (رفعت) الترقية، ورفض الوظيفة كلها، وتحيَّن فرصة لقائه برجل أعمال سكندري
ربطته به علاقة وثيقة أثناء عمله، ليطلب منه العمل لديه، ولينتقل بعدها بالفعل إلى (الإسكندرية)..
وارتبط (رفعت) برجل الأعمال السكندري هذا ارتباطاً وثيقاً، وشعر في منزله بدفء الأسرة
الذي افتقده طويلاً، بل وخفق قلبه هناك بحب (هدى)، ابنة رجل الأعمال، الذي لم يعترض
على نمو هذه العلاقة، بعد أن اعتبر أن (رفعت) بمثابة ابنه، الذي لم ينجبه أبداً..
وكان من الممكن أن ينمو هذا الحب، ويزدهر، وينتهي بزواج، واستقرار،
وأسرة بسيطة وسعيدة، و…
ولكن القدر كان يدخر مفاجأة كبيرة لبطلنا، هي بالضبط ما رأيناه وتابعناه جميعاً
على شاشة التليفزيون، في المسلسل الشهير..
مهمة متابعة، لفرع الشركة في (القاهرة)، تحوَّلت إلى عملية احتيال، من مدير الفرع الخبيث
وانتهت باتهام (رفعت) بالاختلاس والسرقة..
وعلى الرغم من أن رجل الأعمال السكندري كان يدرك أن (رفعت) قد سقط في فخ محكم
إلا أنه اضطر لفصله من وظيفته، تجنباً لإجراء أية تحقيقات رسمية، في نفس الوقت الذي
أوصى فيه بتعيينه كمساعد ضابط حسابات، على متن سفينة الشحن (حورس)..
وأثناء عمله على السفينة، وتوقفها فى (ليفربول) البريطانية،ثم وعاد إلى (مصر)
في مارس 1950، إلا أنه لم يلبث أن عمل على متن سفينة شحن فرنسية، سافر معها
إلى (مرسيليا)، ثم هجرها إلى (باريس)، حيث أجاد اللغة الفرنسية إجادة تامة,ومرة أخرى
وبتأشيرة زيارة قصيرة، سافر (رفعت) إلى (بريطانيا)، بحجة استشارة الطبيب، الذي
أجرى له عملية الزائدة، واستقر ليعمل هناك في وكالة للسفريات، تحمل اسم (سلتيك تورز)..
وفي هذه المرة أيضاً، ومع النجاح الذي حققه في عمله
كان من الممكن أن يستقر (رفعت) في (لندن)، وأن يحصل على إقامة رسمية بها، بل
وأن يصبح من كبار خبراء السياحة فيها، لولا أنه، وأثناء قيامه بعقد صفقة لحساب
الشركة في (نيويورك)، تلقَّى عرضاً من صاحب شركة أمريكية، بدا له مناسباً للغاية
فقبله على الفور، ودون تفكير، وقرَّر الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الوقت
دون تأشيرة عمل رسمية، أو بطاقة ضمان اجتماعي خضراء..
ولعل هذا أسوأ قرار اتخذه (رفعت الجمَّال) في حياته، أو أن القدر كان يدخر له بالفعل
ذلك الدور، االذي صنع منه حالة فريدة في عالم الجاسوسية، ويدفعه إليه دفعاً بلا هوادة..
فمنذ اتخذ قراره هذا، اضطربت حياة (رفعت) تماماً..
إدارة الهجرة بدأت تطارده، وصاحب العمل تخلّى عنه، وتم وضع اسمه فى القائمة
السوداء في (أمريكا)، مما اضطره للهرب إلى (كندا)، ومنها إلى (فرانكفورت) في
(ألمانيا)، التي حصل على تأشيرة ترانزيت بها، باعتبارها مجرَّد محطة، للوصول إلى (النمسا)..
ولكن عبثه أيضاً صنع له مشكلة ضخمة في (فرانكفورت و للا سف سرقت منه نقودة
و جواز سفرففي تلك الفترة بالذات، كان الكثيرون من النازيين السابقين، يسعون للفرار
من (ألمانيا)، ويشترون، في سبيل هذا، جوازات سفر أجنبية..
ولقد اتهمه القنصل المصري هناك بأنه قد باع جواز سفره، ورفض أن يمنحه وثيقة سفر
بدلاً منه، ثم لم تلبث الشرطة الألمانية أن ألقت القبض عليه، وتم سجنه لبعض الوقت، قبل
أن يرحل قسراً، على متن أوَّل طائرة، عائداً إلى البلد الذي جاهد للابتعاد عنه..
إلى (مصر)..
وهناك بدأت مرحلة جديدة..
وخطيرة.........
وهنا نكتفى بهذا القدر ونلتقى بالجزء الثالث والاخير ان شاء الله قريبا
وتقبلوا تحياتى الخالصة لكم .
العقرب المصرى