المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيرة الشاعر اليمني " عبدالله البردوني "


ضوى الليل
07-05-2011, 03:31 PM
نبذه عن الشاعر:

عبد الله البردوني
ولد عام 1348هـ 1929 م في قرية البردون (اليمن) أصيب بالعمى في السادسة من عمره بسبب الجدري ، درس في مدارس ذمار لمدة عشر سنوات ثم انتقل إلى صنعاء حيث أكمل دراسته في دار العلوم وتخرج فيها عام 1953م . ثم عُين أستاذا للآداب العربية في المدرسة ذاتها. وعمل أيضا مسؤولا عن البرامج في الإذاعة اليمنية.

أدخل السجن في عهد الإمام أحمد حميد الدين وصور ذلك في إحدى قصائده فكانوا أربعة في واحد حسب تعبيره ، العمى والقيد والجرح يقول :

هدني السجن وأدمى القيد ســاقي فتعاييت بجرحي ووثــــــــاقي

وأضعت الخطو في شوك الدجى والعمى والقيد والجرح رفاقي

في سبيل الفجر مــــــا لاقيت في رحلة التيه وما سوف ألاقـــي

سوف يفنى كل قيد وقـــــــــوى كل سفاح وعطر الجرح باقي
. له عشرة دواوين شعرية، وست دراسات. .

صدرت دراسته الأولى "رحلة في الشعر قديمه وحديثه" عام 1972.
أما دواوينه فهي على التوالي:

- من أرض بلقيس 1961 –

- في طريق الفجر 1967 –

- مدينة الغد 1970

- - لعيني أم بلقيس 1973

- - السفر إلى الأيام الخضر 1974

- - وجوه دخانية في مرايا الليل 1977 –

- زمان بلا نوعية 1979

- - ترجمة رملية لأعراس الغبار 1983

- - كائنات الشوق الاخر 1986 –

- رواء المصابيح 1989







كتابات عن الشاعر :

طرائف بردونية :

تقبيل وجنة الكلب
في نهاية السبعينات جاء أحد الشعراء( النظامين) إلى منزل البردوني زائرا، وفي أثناء الحديث أراد الشاعر أن يلفت انتباه البردوني فقال: لقد أتجهت أخيرا وعن قناعة إلى كتابه الشعر الحديث!!
واسمعه بعض مقاطع وكان منها مقطع يقول ( الشمس تقبل وجنة حبيبتي)!
فقال له البردوني: ياعزيزي ليس في ما أسمعتني أي جديد.
فقال الشاعر: ( الشمس تقبل وجنة حبيبتي) هذه صورة فنية حداثية إبداعية!!
فرد عليه البردوني: ليس في هذا أي جديد، فالشمس تقبل حتى وجنة الكلب!



*الغيبة حرام
كان البردوني ذات يوم في مجلس حكومي رفيع المستوى فسأله أحدهم بقصد إحراجه وكان ذلك قبل قيام الوحدة: لماذا يا أستاذ عبدالله لاتكتب عن الديمقراطية والحرية؟
فأجاب على الفور: الغيبة حرام!!


فصعمي
كان البردوني ذات مرة في حلقة نقاش على الطائرة فتعجب من اللجهة التي يتحدث بها المثقفون والتي هي مزيج من الفصحي والعامية فعلق عليها بالقول إنها تمثل نوعا من الفصعمي!


* تركي
قال له الشاعر الشاب عبدالمجيد تركي: لقد حفظت يا أستاذ أكثر من خمسين قصيدة من قصائدك!
فأجابه: إذن ما عادكش تركي!!


وجها لوجه
في مطلع الثمانينات وفي أحد فعاليات المهرجان الثقافي اليمني بالسعودية اختير البردوني مقدما لصباحية شعرية شارك فيها عدد من الشعراء اليمنيين، وقد تصدر الصباحية شاعر ودبلوماسي وكان داكن البشرة، وبعد أن أتم قراءة قصائده، جاء الدور على الشاعر/ عبد الكريم الرازحي الذي بدأ قصيدته قائلا:
أيها الأسود الخبيث
أيها الأسود القذر!
فعلق البردوني: مش هكذا يا رازحي وجها لوجه!!
فضجت القاعة بالضحك والتصفيق وأول الضاحكين كان الدبلوماسي الشاعر الذي كان يعرف أن الرازحي يقصد بالأسود- النفط- وليس ما قصده البردوني!!



* شيوعي
قال له داعية إسلامي كبير: يابردوني أنت شيوعي يجب قتلك!
فرد البردوني قائلا: حافظ على حياتي فأنا مصدر رزقك لأنك تخوف بي دول الجوار وترعبهم بالشيوعية، ليغدقوا عليك المال!!



*أحمر
في المهرجان الثقافي اليمني الذي أقيم في الكويت، كان البردوني على رأس المشاركين وبينما هو يلقي إحدى قصائده، صاح أحد الأزهريين: أسكت يا أحمر- يقصد ياشيوعي-
فرد عليه قائلا: إنني أتمثل ما قاله جدي بشار بن برد:
وخذي ملابس زينة ومصبغات في أفخر
وإذا دخلت تزيني بالحسن إن الحسن أحمر


*إلبسيها وأقرئي
بعد نقاش مستفيض دار في منزل البردوني حول هشاشة التعليم الجامعي في بلادنا وأن كثيرا من خريجي الدراسات العليا تنقصهم القراءة السليمة، وعلى رغم هذا فإنهم يظهرون بهندام الأناقة التي لا تنسجم مع جوهرهم.. فض البردوني النقاش بحكاية حصلت في ذمار تقول:
أن امرأة قطعت مسافة طويلة من قرية إلى قرية تبحث عن قارئ يقرأ لها مكتوبا من ولدها في المهجر، فلمحت رجلا ملتحفا بشال أخضر اللون ويضع على عينية نظارة، فاستوقفته طالبة منه أن يقرأ لها الرسالة فأخذ الرسالة يقلبها في يده ويحملق في سطورها ويتلعثم بكلامه فقالت له المرأة: إقرا سوا وعاد على عيونك نظارة وملتحف بشال!
فقال لها الرجال: كان إلبسيها وأقرئي!!



*ضيافة:
استضاف الأستاذ أحمد الجرموزي في منزله بتعز الأستاذ البردوني، وبعد ساعات رأى الجرموزي الشرطة وهي تجر الجزار الذي أشترى منه اللحم، فقد أكتشف أنه يذبح حمير، فرجع إلى بيته مسرعا يطمئن على صحة البردوني وقال له يا أستاذ: كيف صحتك، الجزار خدعنا وباع لنا لحم حمار
فرد البردوني بسخرية : ( والله يا أحمد أنه أحسن مرق شربناه).



*ميلاد البردوني
سأل البردوني عن تاريخ ميلاده فقال:
قالت أمي أنني ولدت يوم ولدت بقرة جيراننا وأنجبت تبيعا ( عجل)



نزار قباني والبردوني
عندما أنتهي الأديب البردوني من قراءة بائيته ( أبو تمام وعروبة اليوم) تقدم إليه نزار قباني واحتضنه وعرفه بنفسه : أنا نزار.
فرد البردوني ببديهية قل نزار- بفتح النون- ولا تقل نزار بكسرها فأنها تعني الشيء القليل فكان هذا اللقاء عربون صداقة بين نزار والبردوني.



برجوازي
عرف البردوني نفسه نسبة إلى أسم بلدته ( بردون) وميز أسمه بتشديد الدال حتى لاينسب خطأ إلى اتباع المفكر الاقتصادي الفرنسي بردون: فكان البردوني دائما يؤكد على هذا التشديد.



*ذاكره
كان أحد الشعراء يأتي إلى البردوني ويزعم أنه أقوى ذاكره، فذات مرة سأله البردوني في مجلسه: من هي نخلة بنت عامر فأجاب الشاعر : هي صحابية جليلة شاركت مع الرسول في أكثر من غزوة.
وعندما خرج الشاعر أنفجر البردوني ضاحكا وهو يقول: نخلة بنت عامر هي أمي










الصورة الشعرية عند عبدالله البردوني





تأليف: د. وليد مشوّح, عرض: جاك صبري شماس






يتناول الدكتور وليد مشوّح دراسة أكاديمية هادفة لسبر أغوار الشاعر اليمني الكفيف عبدالله البردوني, وان كان الشاعر قد فقد بصره, فإنه كان يتلمّس الواقع من خلال بصيرته النافذة في أعماق الجنس البشري وذلك باعتماده على حواسه المرهفة التي استطاعت ان تتعرّف على الواقع وان تتوغّل في تفصيلاته, حيث اختار المؤلف المنهج النفسي لدراسته النقدية مصرحا بالأعباء التي تثقل كاهل أي دارس أكاديمي, ومتابعا مسيرة التطور الشعري عند البردوني من خلال المشايعين والمناهضين.


لقد اعتمد الدارس على بابين, وقد احتوى الباب الأول ثلاثة فصول واحتوى الباب الثاني على ثلاثة فصول ايضا. لم يكن البردوني الأديب الذي أصيب بالعمى وأبدع فقد سبقه كثير من المبدعين العرب كبشار بن برد وطه حسين وأبي العلاء المعري وغيرهم وكانت لهم بصماتهم في مدار الأدب النوعي. كان البردوني يحمل السمات النفسانية حيث كان مشاكساً وثائراً وأحيانا مهادنا ومصوّراً بارعا لبيئته وما يختلج فيها من اصطراعات وعادات وتقاليد.


يعتقد العالم النفسي جون استيوارت: (ان العالم الخارجي ليس سوى امكانية دائمة بالإحساس, ويتحول العقل نفسه تحت تأثير قوانين التداعي الى إمكانية دائمة الحس بما تنطوي عليه من مشاعر داخلية, وأفكار وانفعالات واستدلالات).


وعندما سئل البردوني عن كيفية احساسه بالجمال قال: (ليس هناك حس بالجمال المفصول عن الدمامة, وإنما هناك معرفة اختلاف الجميل عن نقيضه. اذ لا يتجلّى وجه الجمال إلا الى جانب وجهه النقيض) فالنور في الشعر البردوني هو السيد الحاكم وهو الذي يلون احاسيسه وينمقها ليطل من خلالها على الحياة التي يعكسها بأصباغ روحه وفكره.


ومن الصور الجميلة التي لها دلالة بالنور من خلال خياله, مادياً وحسياً, اذ يرى الزهر يحتضن الشعاع كما تحتضن ام طفلها وتقبله:


الفجر يصبو في السفوح وفي الربا


والروض يرتشف الندى ويغرّد


في مهرجان النور لاح على الملا


عيد يبلوره السنا ويورّد


لقد امتاز البردوني بذاكرة عقلية موضوعها المعاني والأفكار والصور اللفظية حيث تشكلت شخصيته وتوضحت سماته ومعالمه استناداً الى إمكاناته الذهنية, لقد استطاع ان يخلق صلة بينه وبين المحيط الذي يعايشه فكانت ألوانه سماعية وحروفه صوتية:


لأني رضيع بيان وصرف


أجوع لحرف وأقتات حرف


أتسألني كيف اعطيك شعراً


وانت تؤمل دوراً وجوف


أصوغ قوامك من كل حسن


وأكسوك ضوءاً ولوناً وعرف


لقد كانت لقصصه الشعرية خصوصية بردونية بحتة يشعرها ويتحسسها قارىء شعره او أي ناقد متخصص في صناعة معيارية دقيقة لتحليل الشعر استناداً الى المنهج النفسي او التاريخي وشاعر مثل البردوني يمتلك ذاكرة خصبة يستطيع ان يقدّم لوحة شعرية يرسمها من خلال مشاعره الجياشة يقول:


في هجعة الليل المخيف الشاتي


والجو يحلم بالصباح الآتي


والريح كالمحموم تهذي والدجى


في الأفق أشباح من الإنصات


في ذلك الليل المخيف مضى فتى


قلق الثياب مروع الخطوات


لقد آمن البردوني من خلال مجالسه ومقولاته الصحفية, وفي السوامر والمقابلات التي أجريت مع في صحف ومجلات ودوريات الوطن العربي بضرورة تفرّد الأديب بشخصيته لان التاريخ يأخذ مساره من الاجتماعية الى الفردية, وكان البردوني مؤمناً بارتباطه بواقعه الاجتماعي.


ان الهدوء مطلب روحي من مطالب الكفيف, والكفيف هنا شاعر يحب ان يؤثر الصمت أي أكثر من الهدوء ثم يعود الى عملية التأمل والاستغراق, حيث يفلح في تصوير نفسه من خلال معان ترصد شخصيته وسلوكه وتصرفاته بقوله:


سهدت فأصابني جميل سهادي


فأهرقت في النسيان كأس رقادي


وسامرت في جفن السهاد سرائرا


لطافا كذكرى من عهود وداد


ونادمت وحي الفن أحسو رحيقه


وأحسو وقلبي في الجوانح صاد


وللبردوني نظرة فلسفية فيما يخص الموت وهو القدر المحتوم على البشرية لقد أصيب بالجدري وهو طفل, وكان يسير هائما في شوارع صنعاء لا يدري متى تدهسه سيارة أو تطأ جسده بهيمة, لذلك تعامل مع مقابلة الموت على طريقة الشاعر الذي يعي الوجود دنيويا وأخرويا:


كل غصن له مذاق جديد


كالمليحات كل أخرى جديدة


كيف لست الذي قصفت صباها


وصباه ان المنايا عديدة


تسبق القتل او تليه وآنا


تمتطي صهوة الحروف المبيدة


يا مميتي من ذا يميت المنايا


كالقوى تأكل الأشد الشديدة


لقد كان البردوني أسير الواقع الحرفي المباشر, وكان يرتدي رداء شفافا من الرومانسية, وكان على رأس هذه المدرسة الرومانسية, حيث جسّد الواقع اليمني الراهن بل يكاد ينطق من خلال هذه التهويمة الرومانسية: متى كفني هنا وتبكي على ما


كل شيء لا يستحق اهتماما


القضايا التي أهاجتك أقوى


من أغانيك من نواح الأيامي


خلف هذا الجدار تشدو وتبكي


والزوايا تندى أسا وجثاما


ان الشاعر رغم فقدان بصره فإنه يستطيع ان يتلاعب بالمفردات وينشىء حواريته الشعرية التي تصل الى مستويات مختلفة, مسرحية او تمثيلية, او مسلسلة مسموعة:


من أنت واستبقت جوابي


لهب يجن الى التهاب


من أنت عزاف الاسى


والنار قيثار العذاب


وعلى جبينك قصة


حيرى كديجور اليباب


ان بعض المحسنات البديعة والأساليب البيانية التي أسرف فيها الشاعر وكذلك الجمع بين المتناقضات, قد أكدت حيوية صوره الشعرية وقدرته على إعادة تخصيب تربته الشعرية بعد ان أحدث علاقة مع الألفاظ من خلال رؤيته الشعرية الخاصة, وفلسفته ونظرته للحياة:


ليس بيني وبين شيء قرابهْ


عالمي غربة زماني غرابهْ


ربما جئت قبل او بعد وقتي


او أتت عني فترة بالنيابه


غيرت وقتها الفصول أضاعت


أعين الشمس والنجوم الثقابهْ


يقول المؤلف الدكتور الباحث وليد مشوح في خاتمة دراسته الاكاديمية (وقد حاولت ان اقدم جانباً ادبيا واحدا في دراسة البردوني حيث تصديت لمبادلات العاهة مع الإبداع لدى الشاعر, واتخذت المنهج النفسي منارة في بحثي هذا, فان وفقت فالله حسبي وان أخطأت فجلّ من لا يخطىء, ولا حول ولا قوة الا بالله وهو المولى, وهو النصير والحمد لله رب العالمين).


ان المؤلف من خلال خاتمته يكبر في عين القارىء العربي لما يتميز به من تواضع, وهذا التواضع هو من سمات الدارسين الموضوعيين والمنطقيين من خلال تعاملهم الجاد مع دراستهم.











غلطة الشاطر بألف ؟!


أقيم عام 1971 في مدينة الموصل بالعراق مهرجان للشعر تخليداً لذكرى الشـاعر ( الذي هزم المنجمين وانتصر للسيوف اللوامع ) كما قيل عنه ( أبي تمام حبيب بن أوس الطائي ) وذلك في قصيدته في ( فتح عمورية ) التي مطلعها:
( السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعبِ)
وقد شارك في المهرجان شاعر العروبة واليمن " عبدالله البردوني " الذي رحل منذ سنين قليلة خلت حيث لفت إليه الأنظار بل بهرها وشد الأسماع بقصيدته التي ألقاها فيه معارضة لقصيدة أبي تمام وإن أختلفت حركة حرف الرويّ الباء في القصيدتين ومطلعها : ( ما أصدق السيف إن لم يُنْضه الكذبُ وأكذب إن لم يصدُق الغضب
وكتبت عنها في حينها بعد أن قرأتها منشورة في الصحف والمجلات العربية التي تسابقت إلى الإشادة بشاعرية " عبدالله البردوني " الذي كان نجم ومفاجأة ذلك المهرجان الموصلي.
ومنذ عام 1981 نشرت عن " عبدالله البردوني " في صحافتنا مجموعة من المقالات تحت عنوان عام هو (مع شاعر من يمن لا شمالية ولا جنوبية ) ضمها فيما بعد كتابي" أعندكم نبأ ؟ " الصادر في طرابلس عام 1984 وقد قلت عنه (ص 56-57 من الكتاب) :
" إنه شاعر مجدد في لغته وأخيلته وصوره وتوليداته البيانية وفي أفكاره أيضاً ، محافظٌ على كل الأصول الثرائية ، مستفيداً من خبرته اللغوية والعروضية ، مازجاً القديم بالحديث مختصراً المسافة بينهما ، وهي مسافة مفتعلة ومزعومة ، تقليدي في أشكال قصائده الخارجية وما هو بالتقليدي ، وقد تسير قصيدته على نسق واحد من القافية وقد تتنوع القوافي لديه وتتكاثر ولكنه في كلا الحالين يزيل عنك الملل ويشدك إلى آخر حرف في الكلمة الأخيرة التي توقف عندها " وفي العدد (587 ) للشهر الماضي من مجلة " العربي " الكويتية " ، كتب الأديب المصري "فاروق شوشة " في زاويته الشهرية " جمال العربية " مقالة مختصرة جداً
عن " عبدالله البردوني " عنوانها " البردوني و.. وردة من دم المتنبي " شغلتها في مجملها قصيدة مطولة له تبدأ بهذا البيت:
( من تلظّى لموعُهُ كاد يعْميَ كاد من شهرةِ اسمه لا يُسِمَّى
وفيه توَهَّم الأديب " فاروق شوشة " أن كلمة " لموعهُ " وردت خطأ إذ قال في " هامش ص 166 من المجلة " ( هكذا جاءت في ديوانه " ترجمة رملية لأعراس الغبار " والكلمة غير موجودة في المعاجم المعروفة وربما كانت صحتها " دموعه " وهي الأقرب إلى المعنى والصورة الشعرية والحقيقة أن تحريف كلمة " لموعه " وتقريبها من " دموعه " تخميناً هو الأبعد عن المعنى والصورة الشعرية ) ، وأن " لموعه " كما كتبها شاعرها "عبدالله البردوني " هي الصواب والشطر الثاني من البيت فيه توضيح للصورة في الشطر ، ولعل "فاروق شوشة " لم يجشّم نفسه البحث عنها في المعاجم الأمهات مكتفيا بالمعاجم الحديثة المعروفة عنده الميالة عادة إلى الاختصار ، ولو عاد إلى " لسان العرب " مثلاً للعلامة " ابن منظور " لوجدها في السطر الأول من مادة " لمع " على هذا النحو: " لمع الشئ يلمع لمعاً ولمعاناً ولموعاً ولميعاً وتلماعاً كُلُّه : برق وأضاء والتمع مثله " واللموع في بيت الشاعر الكبير عبدالله البردوني وليس الدموع هو الذي يتوافق مع الفعل " تلظى " أي التهب ، وقال تعالى في الآية الرابعة عشرة من سورة " الليل " : ( فأنذرتكم نارّاً تلظّى ) أي تلتهب
وعلى كل حال هي غلطة من الأديب " فاروق شوشة " والتعبير الشعبي العربي يقول
" غلطة الشاطر بألف " يضاف إليها أن مقالته العجلى هذه لا تكفي جزالة القصيدة التي تحتاج إلى الدراسة التحليلية لرموزها وإسقاطاتها التي قصد إليها الشاعر الكبير " عبد الله البردوني " في مثل قوله فيها:
( الغرابات عنه قصَّت فصولاً كالتي أرَّختْ " جديسا وطسما"
فهو يتمثل بأسطورة قبيلتي " جديس وطسم " العربيتين القديمتين التي تغلبت فيها القبيلة الأولى على الثانية بعد أن قهرتها زمناً طويلاً ، وهذه الأسطورة تتشابه في جانب منها مع أسطورة " ملحمة جلجامش " الآشورية العراقية المشهورة وقد وردت " طسم " بخطأ مطبعي واضح هو تقديم الميم على السين في مقالة " فاروق شوشة " ( طمس ) وهو تحريف للاسم الصحيح زيادة على أنه مخالفة للقافية " الميم" .











وجها لوجه – حوار مع عبدالله البردوني

(عبدالله البردوني وعلي المقري)


لم أعترف بالعمى في أي لحظة في حياتي
ليس بعد الحداثة والأحدث إلا الشيخوخة ثم الموت
درست الفقه وكنت وكيلاً للنساء المطلقات
البشرية تحتاج إلى الفنون كلها وليس الرواية فقط
ربما يمثل هذا الحوار الوصية الأخيرة لشاعر راحل عرف من الحياة بؤسها أكثر مما عرف من مجدها وزهوها. فهذا الأعمى الذي رأى كل شيء حوّل ظلمته إلى عالم أسطوري حافل بالرؤى والنبوءات. لقد عاش عبدالله البردوني في اليمن مهد اللسان العربي وموطن بلاغتها, لذلك فقد كان شعره تعبيراً عن وعي جمعي متراكم من أجيال من الشعراء العرب هاجروا مع قبائلهم من مأرب, واستقروا في صحراء العرب حتى جاءت رسالة البعث الإسلامي فحملوها إلى كل مكان.

ويوصف البردوني بأنه آخر الشعراء العرب الكلاسيكيين الكبار, وأبرز المتميزين في كتابة القصيدة العمودية, وله اثنا عشر ديواناً صدر أولها في عام 1961م, وله ثمانية كتب تتناول تاريخ اليمن المعاصر السياسي والثقافي والاجتماعي.

وأجرى الحوار في صنعاء الشاعر والصحفي اليمني علي المقري, أحد أصوات جيل الثمانينيات الأدبي في اليمن, صدرت له مجموعتان شعريتان وعدد من الأبحاث.

وكان الحوار قد أجري معه قبل وفاته (يوم 30 أغسطس 1999م) بعشرة أيام بحضور الشاعر أمين العباسي.

العمى والفقر


- تثير سنوات طفولتك الأولى الكثير من الاندهاش, إذ كيف لطفل أن يفقد البصر ويواصل مكابدته في كثير من الأعمال ليصل إلى ما هو عليه من المكانة الأدبية, نرجو أن تعود بنا لنتعرف على ذلك الضوء الذي كان يدلك على السير في عتمة المكان ?

- العمى أصابني وأنا صغير جداً, في السنة الخامسة أو السادسة من عمري, وكانت بدايته أن عُميت عين نهائياً, وعين بقي فيها شيء يعرف البصيص, فمثلاً إذا صحوت من النوم ورأيت دخول الضوء أعرف أن الصبح قد أطل, وأرى إذا وجد في المكان سراج, وبعد فترة أصابتني ضربة شمس وصداع فانطفأ ذلك البصيص.

وما عميت إلا وقد كان عندي دراية بالحركة, أين أصعد إذا كانت أمامي صخرة, وكيف أنزل من الصخرة, فبقيت في ذاكرتي تلك الأماكن التي كنت أروح وأغدو منها وإليها, ولأن الطريق إلى المسجد الذي بجواره المعلامة (الكتاب, ويتم فيها تحفيظ القرآن), كان شاقّاً اندهش الناس في القرية (البردون), فهناك مكان اسمه (صفي الجبهة) فيه البيوت متراصّة من هنا وهناك, كان الناس في الرابعة (عصراً) إلى السادسة يتجمّعون فيه. فمنهم من يطعم ثوره ومنهم من يطعم جمله أو يعلف بقرته. ولأن بعض أطراف الثور أو غيره تكون في الطريق, فقد كانوا يتعجّبون لأنني كنت عندما أمر أدهف الثور وأمشي.

وكانت النساء بشكل خاص يقمن بجر الثور أو البقرة إليهن من أجل أن أمشي, وكان خالي حسين علي فقيه ـ وهو شاعرـ يضيق مني, ويقول لي: (احتكم... احتكم) وهذه الكلمة يقولها بعض الكهول للكهل إذا أصيب بالعمى, أما أنا, فكيف (أحتكم ?), أنا كنت غير معترف بالعمى, وألعب حينما يلعبون, وكان الدم لا يجف من بنان قدمي, أكدف هنا وأضرب رأسي هناك, وكانت أمي تربط أصابعي بخيط أحمر (كحرز) يقيني ضربة حرّاء, كما تعتقد, والسبب أن الأحجار الناتئة تقع عليها رأس الأصبع فتدمى, كما أن ضرب رأسي يكون في جدار قام حديثاً أو بني ليلاً وضحى, وما مررت عليه سابقاً.

وكان يسرني إذا ما أنزلني أبي إلى (المعلامة) لأنه كان يمر بطريق خلفية سهلة, فينزل من حجر أملس, ويطلع إلى حجر وينزل من ثان, وإذا بنا نشم رائحة الحارة حيث نكون في باب (المعلامة).

وقد ظللت أفكر كيف سأعرف هذه الطرق, وهممت مرة بعد مرة.


- إذن, استقيت معارفك الأولى, بعد العمى, بواسطة (المعلامة) ?

- نعم, بواسطة (المعلامة) قرأت ما يسمى بجزء البياض, وهذا الجزء هو قراءة الحروف وكتابتها في لوح على مداد أبيض وقلم (مبري).

وبالنسبة لي كنت أحفظ الحروف دون كتابتها, وكنا نقرأ الحروف قراءة إنشادية, فيها شيء من الإطراب, تشبه الإنشاد الذي يصاحب الجنازة من قبل الأطفال, فهؤلاء في اليمن إذا تقدموا الجنازة يحوّلون الإنشاد الجنائزي إلى موسيقى فريدة.

وعندما انتقلت إلى المدينة (ذمار) وأنهيت فيها حفظ القرآن تجويداً, انتقلت - أيضاً - من (المعلامة) إلى (المدرسة الشمسية), وهي جامع أسسه أو بناه شمس الدين بن شرف الدين الذي حارب الأتراك في القرن العاشر, وكان مرشّحاً للإمامة, لكنه أصيب بطلقة وحجرة, فكسرت رجله ثم جُبرت, فصارت فيه عاهة العرج مما حرمه من الخلافة التي تشترط في الإمام أن يكون سليم الحواس والأطراف.

عندما دخلت هذه المدرسة, شعرت أني بدأت غربة جديدة, فقد كنت في (المعلامة) أعلّم الأطفال المتخلفين في الحفظ وأكرر لهم وأكرر, وزيادة البنات, فأحصل بالمقابل على قطع من الخبز تكفيني يومي, إضافة إلى أن اثنين من الأساتذة قررا لي (بقشتين) في كل يوم.


- هل هذا يعني أن عائلتك كانت فقيرة لم تستطع أن تعيلك في المدرسة الشمسية ?

نعم فقيرة, وكانت في (البردون).. ولم تستطع أن تعيلني, طبعاً, لكنها كانت تعيلني عندما كنت عندهم, ولكن كنت أحسّ أن إعالتي شيء ثقيل, وسمعت كلمات رديئة عندما عميت, قالوا: أعمى لا غرّام ولا رجّام, أي لا يقاتل مع القرية (رجّام) ولا غرّام يعطي نصيبا من النقود إذا كانت عليهم غرامة.

وأذكر أنني ظللت في (المدرسة الشعبية) شهراً في جوع قاتل.

وخرجت مرة وفوجئت في (معلامة) هناك, فيها واحد اسمه سيدنا أحمد دادة, فدعاني وقال لي: كم ستبقى تقرأ (تتعلم) كل يوم ? فقلت: يا سيدنا ما نفعل ? قال: هيا لتعمل ساعتين أو ثلاث ساعات ? تعلم هؤلاء (الطبول عيال الفراعنة الذماريين), وكان بذيئاً لا يتكلم إلا شتماً. فعهد إليّ بخمس بنات أعلمهن في الصباح.

محامي المطلقات

على الرغم من أنك نشأت في بيئة ثقافية تقليدية - خاصة في مجالي الشريعة والأدب - قيل إنك في عملك الأول كمحام (وكيل شريعة) في الأربعينيات اتخذت اتجاهاً مغايراً, وهو الدفاع عن النساء المطلقات وقضايا المرأة عامة, كيف استطعت الخروج من صرامة الفقه وقيوده ?
- المسائل الفقهية من يفقهها جيداً لا يجدها قيوداً, فيقدر أن يتعامل معها في مجتمع يبني عليها تفكيره وبيئته, وليس في الأمر أي صعوبة.

إذن هناك منطلقات فقهية جعلتك تتجه إلى ما يمكن أن نسمّيه مناصرة المرأة أثناء عملك كمحام (وكيل شريعة) ?
- في الحقيقة لا أدّعي أن علاقتي بالمرأة كانت تحرّراً أو مناصرة بل لأنه لم يوكلني أحد غيرهن.

فقد كنت أبدو بقميص مهلهل, نعم كان هناك رجال يوكلونني, لكن أول مَن وكلني كن نساء, وبالذات المطلقات والوارثات أو مغتصَبات الإرث من الإخوة, ففي هذه الناحية عندما يموت الغني يتعاون الأولاد في الاحتيال على البنات حتى لا يخرج مال أبيهم إلى زوج الأخت أو البنت, كما وُكّلت أيضاً في قضايا الزنا وغيرها.

في هذه الفترة تحسنت أحوالي المعيشية باستثناء فترات العطل, كنت فيها أقتنع بالقليل.

نعود إلى تجربتك في الكتابة, فمن خلال مقالاتك والاستماع إلى أحاديثك نجد أن فقد البصر لم يؤثر سلبياً في تحصيلك المعرفي, وعلى العكس نجد معارفك متسعة في أكثر الجوانب القديمة والحديثة, كيف استطعت تجاوز إشكالية فقد البصر كونه فقداً لحاسة مهمة في التوصيل المعرفي ?
- أنا أقرأ كل ما وجدت ولا أستطيع أن أرتّب على حسب ظهور كل كتاب أو كل رواية, إنما استطعت أن أتابع نجيب محفوظ من رواياته التاريخية الثلاث إلى آخر رواية وهي (ابن فطوطة).

وأستطيع أن أقول بأنني تابعت كتب طه حسين بعد خروجها بمدة قصيرة, ولي أصدقاء وصديقات في سوريا ومصر ما حالوا بيني وبين كتاب, حتى أن أحدهم لم يقبل مني أن أعطيه ثمن أو مقابل ما دفع.

كم ساعة تقرأ - أو يقرأ لك - في اليوم ?
- كنت أقرأ في الخمسينيات ثماني ساعات من التاسعة إلى الواحدة ظهراً, وبعدها من الخامسة إلى الثامنة أو التاسعة.

وفي أوقات أقرأ أقل, أما أكثر فلا, وفي أوقات لا أقرأ أي شيء, أستمع إلى الراديو أو استرجع ما قرأت وأرتّب ذهنياً, فعندي - مثلاً - فكرة عن كل كتاب فيه شاهد على ما أقول أو دليل.

ألا تقع في أخطاء أثناء ترتيبك ذهنياً للشواهد والأرقام ?
- قد أقع في أخطاء في الأسماء وفي أرقام القرون الزمنية, وهذا يحدث لأنني أملي ولا أرى كيف كتب, فأظن أن الإملاء يحرمني رؤية الاسم فأذكره, ولكني لا أرى أن هذه الأخطاء موضوعية وإنما هي هامشية.

إذا كنت قد وجدت بعض المخارج القضائية في مجال الفقه التقليدي لبعض القضايا الاجتماعية أثناء عملك وكيل شريعة (محام) فماذا بالنسبة لمجال الشعر, من أين استمددت الشجاعة في نقدك ?
- في مجال الشعر كانت هناك دوافع زمنية ودوافع حرمانية ودوافع وطنية, في الحقيقة, أما الشريعة فإنها تأمر بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر.

بعد رحيل الشاعر محمد مهدي الجواهري, توصف الآن بأنك آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار, أو أنك الشاعر المتميز الوحيد في كتابة القصيدة العمودية, هل هذا يعني أن القصيدة العمودية ستتحول إلى إرث جمالي في المستقبل, خاصة ونحن نلاحظ اجترار شعراء لتجارب سابقيهم ودون أي إضافات جمالية ?
- في الحقيقة, الأحكام الأدبية مصابة بأمرين, الأمر الأول: السباق على الأحدث والأجد, والأمر الثاني: مجاراة العلم الذي ينتج كل يوم من الألعاب عشرة أنواع, كلباً وقطّاً, دجاجة وفأراً, وكذا المخبز الآلي الذي ينتج مليون رغيف.

الشعر غير ذلك, أنا من عام 1950م إلى الآن واقف على مبدأ أدبي واحد هو أن المهم هو الإجادة: في شكل البيت, في شكل التفاعيل, في شكل العمودي المتطور.

لأن الشعر العمودي ظل قائماً ولايزال, لكنه كان قائماً عند مَن أجادوه, مثل محمد مهدي الجواهري في العراق, ومحمد المجذوب في السودان, وعمر أبي ريشة وبدوي الجبل في سوريا.

وفي سوريا بالذات, ظل الشعر العمودي هو المسيطر إلى مطلع السبعينيات ولم يلتفت السوريون, حتى المعاصرون جداً, إلى الشعر الجديد.

الشعر العمودي كان قوياً جداً, وكان يؤجج مظاهرات, كان الجواهري يخرج مظاهرات تظل ساعات في بغداد, كما حدث يوم رثى أخاه جعفر قائلاً:

بأن جراح الضحايا فم


أتعلم أم أنت لا تعلم




وكان الجواهري جماهيرياً أحسن من أبي ريشة, لأن الجواهري ذا صوت مبحوح غير مشروخ مثل عمر أبي ريشة, والجواهري شيعي وللشيعة فلسفة فيثاغورية والفلسفة الفيثاغورية هي أرومة الوجودية التي بدأت بشكل إيماني عند كيركيجورد وسان بيرز, وحييت بعد ما ظهر سارتر وسيمون دي بوفوار وأصبحت الوجودية من مطلع الأربعينيات إلى الآن أقوى مدرسة أدبية.

قصائد رديئة

لكن هناك بعض النقاد وبعض الشعراء الحداثيين يقولون إن ازدهار القصيدة العمودية ارتبط بفترة المد الثوري, وإن هذه القصيدة كانت عبارة عن صوت اعلامي مباشر للخطاب السياسي.
ويطرح أن الخطاب السياسي صارت له منابره أو قنواته الخاصة المعبّرة عنه, وبالتالي أدى هذا إلى تجدد الأشكال الفنية مع تحوّلات الأزمنة, فيلاحظ عالمياً أن الشعر تراجعت مكانته عند الجمهور الذي صار يتجه نحو الصورة بتقنياتها السينمائية والتلفزيونية إضافة إلى الرواية, وأصبح هذا العصر يوصف بعصر الصورة وعصر الرواية, فكيف تعتقد أنت أن القصيدة العمودية مازالت صامدة رغم التحوّلات ?
- القصيدة العمودية الرديئة تبقى رديئة, مثل قصائد أحمد رامي, وبعض قصائد أحمد الصافي النجفي, وبعض أبيات للجواهري, فمثلاً الجواهري يقول:

للخائنين الخادمين أجانبا


أرأيت مملكة تبيع شهيدها



أغري الوليد بشتمهم والحاجبا


أنا حتفهم ألج البيوت عليهم



فعندما يقول (أنا حتفهم ألج البيوت عليهم), بلغ غاية القوة التعبيرية والتحدي, لكنه حين يقول (أغري الوليد بشتمهم والحاجب) فإن المسألة سهلة ليس بها اقتحام. فكان الشطر الثاني إضعافا للأول, وأوجد في القصيدة تهاوناً, لكن القصيدة الجميلة موجودة في العمودي وفي العمودي المتطور, لأن شعر الخمسينيات ليس كله جديداً وأكثره عمودي متطور, فمثلاً, بدر شاكر السياب أبرز دواوينه في الفترة التي بدأت من أول الخمسينيات إلى 1958م (أنشودة المطر) 20% منه قصائد عمودية.

وكان السياب منجذباً لشوقي, فمثلاً له قصيدة (الأسلحة والأطفال) يقول فيها:

عليها سناً من غد يلمح ?
عصافير, أم صبية تمرح


وشوقي يقول:

وأحبب بأيّامه أحبب


ألا حبذا صحبة المكتب



عنان الحياة عليهم صبي


ويا حبذا صبية يمرحون



على الأم يلقونها والأب


خليون من تبعات الحياة



حقائب فيها الغد المختبى


وتلك الأواعي بأيمانهم




والحقيقة أنني أرى قصيدة شوقي هذه جميلة وقصيدة السياب أجمل.

لكن قصيدة من العمودي المجيد ليست مثل بيئة الجديد, لأن الجديد هو تقطيع دون أن يخرج ذلك التقطيع نظرية في المعنى.

وقد مر الشعر بخمسة أطوار: العمودي السنتيمتري, العمودي المتساهل, العمودي المنوّع القوافي الذي هو ليس على قافية واحدة, وبعده العمودي المتطوّر, ثم الجديد.

وقد قال عبدالقادر القط في عام 1965م, وهو يستقبل ديوان محمد إبراهيم أبو سنة (قلبي وغازلة الثوب الأزرق) إننا كنا نظن أن هذا الشعر الذي فتح الخمسينيات سوف يأتي في الستينيات بتجارب أغنى وبحركة أفضل وبتطور لغوي أجود وليس أجد فقط, فلا قيل أهلاً للجدة بلا إجادة.

أما المسألة الثانية في ذكر الرواية والمسرح والفن والتشكيل فهذه فنون أخرى لها قواعدها.

والبشرية تحتاج إلى الفنون كلها وليس إلى الرواية فقط مثلاً.

ولا يمكن أن توجد الروايات الجيدة إلا في بلد فيه شعر جيد وأجود, فنقرأ - مثلاً - ديستوفسكي, تولستوي, وأنطون تشيكوف الذين كانوا من أمهر الرواة, فمن كان في عصرهم من الشعراء ? كان هناك مايكوفسكي وبوشكين أشعر شعراء العالم.

ولن تجد الرواية مزدهرة والقصة جيدة إلا وكل الفنون جيدة لأن التعاون الثقافي من أسرار تطور الشعوب.

ولا نقول إن هذه التجارب الجديدة معيبة إلا الآن, لأنهم بدأوا الآن يقولون: ما بعد الحداثة.. ما بعد الحداثة ? الشيخوخة والموت.

فليس بعد الحداثة والأحدث إلا الموت.

باستثناء القلة من كُتّاب القصيدة العمودية, وأنت أبرز هذه القلة, يلاحظ المتتبع أن أكثر كتاب القصيدة العمودية ينطلقون من رؤية ماضوية لمجمل قضايا العصر, فنجد أنهم لا يعادون الأشكال الأدبية الحديثة فحسب, بل يعادون أيضاً كل ما هو حديث اجتماعياً.
هل هذا الانطلاق امتداد لما كان يعلنه المحافظون في الخمسينيات والستينيات من أن كُتّاب الشعر الحر عملاء للثقافة الغربية, أم أنه ناتج عن عوامل ثقافية أخرى ?
- القضية لا تخلو من وجود الكل, وقد كان هناك جانب سياسي, فصالح جودت وأحمد رامي وعزيز أباظة كانوا يسمّون صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل ونجيب سرور وأحمد عبدالمعطي بالقرمزيين:

وشعرنا ساطع أخضر


وأشعارهم مثلما القرمزي



يقولوا أواناً وقد يقصروا


لنا وزننا ولهم وزنهم



يطول مع الزيف أو يقصر


وشعرهم كضمير اليهود




هكذا يقول صالح جودت وليس في شعره نَفَس الشعر, لكن الشاعر العمودي المجيد هو محمود حسن إسماعيل وعبدالمنعم السويسي.

وفي مصر وجوه مبدعة لا يتاح لها الظهور, لأن الذي لا يظهر هناك في الإعلام لا يمكن أن يظهر مثلما يظهر في اليمن أو في العراق.

وكانت القصيدة العمودية في العراق هي الأغلب في كل أطوارها وظل الجدد مقلين, فنازك الملائكة ليست جديدة, هي عمودية متطورة, اقرأ لها أي ديوان ستجدها هكذا, لكنها كانت متشبّعة بالرومانتيكية, لأن الرومانتيكية تعبر عن الحزن وضياع الإنسان وهذه كلها في أصول الإنسان وفي حياة بني البشر.

بالنسبة إليك كيف جمعت بين كتابة هذا الشكل المتهم أصحابه بالرجعية, وبين مواقفك السياسية الملتزمة بقضايا العصر الحديثة ?
- قضايا العصر الحديثة سياسة ضرورة, لأنها عدالة أمر بها الله ويطلبها الشعب, لأنها حرية, وهي عن حق الشعب في أن يعبّر بصوت عال وأن يفكّر بصوت صائت وأن يكتب بأمانة, لا رقيب عليه إلا ضميره, وألا ينال عقوبات.

وأنا الآن معادى من أكثر من رئيس حكومة لأنني لم أمدح, وقد دعوني المرة الأولى فسافرت, ودعوني المرة الثانية فسافرت, فقالوا: لتقابل الرئيس (فلان) والشيخ (فلان), فقلت: والله أنا مواطن.. أصغر مواطن من اليمن, ومن مدينة أفلاطون فمالي صفة تتيح لي المقابلة, فهي لا تدل إلاّ على الاستجداء, وأنا ما جئت مستجدياً بل ملبياً دعوة.

ماذا عن الجوائز الأدبية التي اتجه إلى منحها العديد من الشعراء رجال الأعمال, ومنها جائزة سلطان العويس التي حصلت عليها, هل تعتقد أنها مهمة على المستوى الشعري ?
- لا, لا أظن أن الجوائز مهمة, يتوقف عليها تطور الشعر أو ركوده, لكن بالنسبة للجائزة التي حصلت عليها, فهي نفحة إنسانية أو مبادرة كريمة لا يرتجى منها جزاء, لأن معطيها قد مات, فهي أبرأ وأرقى جائزة, وأنا لم أنل غيرها سوى (الأصوات الإنسانية) وقدرها سبعون فرنكاً فرنسياً.

اليسار اليسير

صار الواقع العربي يكرّس واقع القطرية, بما تحمله من تفكك للعرب مما أصبحت معه مقولات العروبة والقومية ضرباً من وهم, كيف ترى مستقبل العرب في ضوء هذا الواقع وأنت أحد المهتمين بقضاياه الفكرية ?
- في أشد تفكك, وفي خروج سافر عن القومية العربية وعن أمة العرب, وعن تجربة الوحدة وعن عمل التوحيد, وقد أصبحت الفنون الإعلامية شعبية, وكل شيء فيها يتعلق برئيس الدولة أو رئيس الجمهورية وكأنه فرعون ذو الأوتاد.

هناك تجزئة وأنا أتوقع أن هذه التجزئة سوف تتحوّل إلى أسلحة إسرائيلية ضد الشعوب التي لها مواقف, وأظن أن سوريا ستضرب من إسرائيل بتسهيل من دول عربية.

يقول البعض إنه لا يوجد شاعر في الخمسينيات والستينيات إلا وقد مرّ عبر الأحزاب الشيوعية والقومية, ما الأمر بالنسبة إليك وأنت أحد كتّاب القصيدة السياسية المدوية ?
- نعم, لكنها قصيدة سياسية ليست معبّرة عن وجهة نظر حزب ما أو جماعة بعينها, وهي مقيدة بالمكان اليمني وبالحالة اليمنية وبالتاريخ اليمني.

حتى الأماكن كنت أرى فيها علامة, والشعر علامة على المكان والزمان.

إذن أنت لم تكن حزبياً في يوم من الأيام ?
- لا, أنا أرى أن لهذا الحزب أو ذاك موقفا يستحق أن يُذكر بما هو عليه, ولكن ليس بالارتماء أو النظر في الجزاء.

هل يمكن أن نقول إنك كنت قريباً إلى اليسار ?
- نعم, اليسار على الإطلاق, نعم, لكن ليس من يسار اليسار, بل من اليسار اليسير.

تنشر منذ فترة سيرتك الذاتية في أجزاء صحفية, نجد فيها أشياء لافتة, يمكن القول بأنها تواكب الاتجاه الحديث في كتابة السيرة الذاتية عند العرب باهتمامها بالجوانب المثيرة خاصة الجنس, كما هو الحال عند محمد شكري أو رءوف مسعد, كيف ترى الاتجاه إلى كتابة السيرة عند العرب ?
- العرب ليس لهم تجربة في كتابة السيرة كما لهم تجربة في كتابة الرسالة وتأليف التاريخ وكتابة المقامة, وقد ابتدع العرب فن المقامة, أما السير فاقتصرت على الأبطال في الماضي: سيرة سيف بن ذي يزن, سيرة عنترة, سيرة الأميرة ذات الهمة.

وهذه السير في الحقيقة لها أشكال شتى جميلة من الرواية, ولكن ليس لها كل شروط الرواية المعاصرة.

فمثلاً محمد شكري كتب روايتين رائعتين: (الخبز الحافي) و (الصعاليك), الأولى من أجود الروايات عن حياة البيوت الفقيرة, والثانية أرّخ فيها للشعب النائم في الأرصفة.

وفي الحقيقة هناك أشياء في السيرة الذاتية لا حاجة إليها مثل اعترافات روسو وروايات فرنسوا ساجان.

وأنا أظن بأنني كتبت سيرتي على طريقة طه حسين في (الأيام) وقد نشرت أكثر من خمسين حلقة وربما يصبح هذا العمل أكبر كتاب لي لأنني مازلت أكتبه.

ضوى الليل
07-05-2011, 03:40 PM
من قصائده :

أبو تمام وعروبة اليوم

عبد الله البردوني




مـا أصدق السيف! إن لم ينضه لكذب ...... وأكـذب السيف إن لم يصدق الغضب

بـيض الـصفائح أهـدى حين تحملها ....... أيـد إذا غـلبت يـعلو بـها الغلب

وأقـبح الـنصر... نصر الأقوياء بلا ........ فهم.. سوى فهم كم باعوا... وكم iiكسبوا

أدهـى مـن الـجهل علم يطمئن iلى ...... أنـصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا

قـالوا: هـم الـبشر الأرقى وما أكلوا ...... شـيئاً.. كـما أكلوا الإنسان أو شربوا

مـاذا جـرى... يـا أبا تمام تسألني؟ ....... عفواً سأروي.. ولا تسأل.. وما السبب

يـدمي الـسؤال حـياءً حـين نـسأله ..... كـيف احتفت بالعدى (حيفا) أو النقب)

مـن ذا يـلبي؟ أمـا إصـرار معتصم؟ ...... كلا وأخزى من (الأفشين) مـا صلبوا

الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة ..... ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب

مـاذا فـعلنا؟ غـضبنا كـالرجال iلم ...... نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب

فـأطفأت شـهب (الـميراج) أنـجمنا ......... وشـمسنا... وتـحدى نـارها الحطب

وقـاتـلت دونـنا الأبـواق صـامدة ........... أمـا الـرجال فـماتوا... ثَمّ أو هربوا

حـكامنا إن تـصدوا لـلحمى اقتحموا ........ وإن تـصدى لـه الـمستعمر انسحبوا

هـم يـفرشون لـجيش الغزو أعينهم ...... ويـدعـون وثـوبـاً قـبل أن يـثبوا

الـحاكمون و»واشـنطن« حـكومتهم ........ والـلامعون.. ومـا شـعّوا ولا غربوا

الـقـاتلون نـبوغ الـشعب تـرضيةً .......... لـلـمعتدين ومــا أجـدتهم الـقُرَب

لـهم شموخ (المثنى) ظـاهراً ولهم ......... هـوىً إلـى »بـابك الخرمي« ينتسب

مـاذا تـرى يـا (أبا تمام) هل كذبت .......... أحـسابنا؟ أو تـناسى عـرقه الذهب؟

عـروبة الـيوم أخـرى لا يـنم على ............ وجـودها اسـم ولا لـون.ولا لـقب

تـسـعون ألـفاً (لـعمورية) iتـقدوا .......... ولـلـمنجم قـالـوا: إنـنـا الـشهب

قـبل: انتظار قطاف الكرم ما انتظروا ......... نـضج الـعناقيد لـكن قـبلها التهبوا

والـيوم تـسعون مـليوناً ومـا بلغوا ......... نضجآ وقد عصر الزيتون والعنب

تـنسى الـرؤوس العوالي نار نخوتها ...... امـتـطاها إلـى أسـياده الـذئب

(حـبيب) وافـيت من صنعاء يحملني .... نـسر وخـلف ضلوعي يلهث العرب

مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟ ....مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب

مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن .... ولم يمت في حشاها العشق iiوالطرب

كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت ..... فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب

لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت .... حبلى وفي بطنها »قحطان« أو »كرب«

وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي »يمن« .... ثـان كـحلم الـصبا... ينأى ويقترب

»حـبيب« تسأل عن حالي وكيف أنا؟ .... شـبابة فـي شـفاه الـريح تـنتحب

كـانت بـلادك (رحلاً)، ظهر (ناجية) ... أمـا بـلادي فـلا ظـهر ولا غـبب

أرعـيت كـل جـديب لـحم راحـلة ..... كـانت رعـته ومـاء الروض ينسكب

ورحـت مـن سـفر مضن إلى سفر .... أضـنى لأن طـريق الـراحة التعب

لـكن أنـا راحـل فـي غـير ما سفر..... رحلي دمي... وطريقي الجمر والحطب

إذا امـتـطيت ركـاباً لـلنوى فـأنا .... فـي داخـلي... أمتطي ناري واغترب

قـبري ومـأساة مـيلادي عـلى كتفي .... وحـولي الـعدم الـمنفوخ والـصخب

»حـبيب« هـذا صـداك اليوم أنشده ... لـكن لـماذا تـرى وجـهي وتكتئب؟

مـاذا؟ أتعجب من شيبي على iiصغري؟ ... إنـي ولـدت عجوزاً.. كيف تعتجب؟

والـيوم أذوي وطـيش الـفن iiيعزفني ... والأربـعـون عـلى خـدّي تـلتهب

كـذا إذا ابـيض إيـناع الـحياة على ... وجـه الأديـب أضـاء الفكر iiوالأدب

وأنـت مـن شبت قبل الأربعين على.... نـار (الـحماسة) تـجلوها وتـنتخب

وتـجتدي كـل لـص مـترف هـبة .... وأنـت تـعطيه شـعراً فـوق ما يهب

شـرّقت غـرّبت من (والٍ) إلى ملك) .... يـحثك الـفقر... أو يـقتادك الـطلب

طوفت حتى وصلت (الموصل) iنطفأت .... فـيك الأمـاني ولـم يـشبع لها أرب

لـكـن مـوت الـمجيد الـفذ يـبدأه.... ولادة مـن صـباها تـرضع الـحقب

»حـبيب« مـازال فـي عينيك أسئلة .... تـبدو... وتـنسى حـكاياها فـتنتقب

ومـاتـزال بـحـلقي ألـف مبكية .... مـن رهبة البوح تستحيي iiوتضطرب

يـكـفيك أن عـدانـا أهـدروا دمنا .... ونـحن مـن دمـنا نـحسو ونـحتلب

سـحائب الـغزو تـشوينا وتـحجبنا .... يـوماً سـتحبل مـن إرعادنا السحب؟

ألا تـرى يـا »أبـا تـمام« بـارقنا (إن الـسماء تـرجى حـين تحتجب)


(إن الـسماء تـرجى حـين تحتجب)














أمي


تـركـتني هـاهنا بـين الـعذاب .... ومـضت، ياطول حزني واكتئابي

تـركـتني لـلشقا وحـدي هـنا ..... واسـتراحت وحـدها بين التراب

حـيـث لاجــور ولا بـغي ولا ..... ذرة تـنـبي وتـنـبي بـالخراب

حـيـث لاسـيـف ولا قـنـبلة ..... حـيث لاحـرب ولا لـمع حراب

حـيـث لاقـيـد ولا سـوط ولا ..... ظـالم يـطغى ومـظلوم يـحابي

خـلـفتني أذكـر الـصفو كـما ..... يـذكر الـشيخ خـيالات الـشباب

ونــأت عـني وشـوقي حـولها ..... يـنشد الماضي وبي-أواه- ما بي

ودعـاهـا حـاصد الـعمر إلـى ...... حـيث أدعـوها فتعيا عن جوابي

حـيـث أدعـوها فـلا يـسمعني ..... غـير صـمت القبر والقفر اليباب

مـوتـها كــان مـصابي كـله ..... وحـياتي بـعدها فـوق مـصابي

أيـن مـني ظـلها الـحاني وقـد .... ذهـبت عـني إلـى غـير إياب

سـحبت أيـامها الـجرحى عـلى .... لـفحة الـبيد وأشـواك الـهضاب

ومـضت فـي طـرق العمر فمن .... مـسلك صـعب إلـى دنيا صعاب

وانـتهت حـيث انتهى الشوط بها .... فـاطمأنت تـحت أسـتار الغياب

آه "يـا أمـي" وأشـواك الأسـى .... تـلهب الأوجـاع في قلبي المذاب

فـيك ودعـت شـبابي والـصبا ...... وانـطوت خلفي حلاوات التصابي

كـيـف أنـساك وذكـراك عـلى ...... سـفر آيـاتي كـتاب فـي كتاب

إن ذكــراك ورائــي وعـلى ...... وجـهتي حـيث مـجيئي وذهابي

كــم تـذكـرت يـديك وهـما ...... فـي يـدي أو في طعامي وشرابي

كــان يـضـنيك نـحولي وإذا ..... مـسـني الـبرد فـزنداك ثـيابي

وإذا أبـكـاني الـجـوع ولــم .... تـملكي شـيئاً سوى الوعد الكذاب

هـدهـدت كـفاك رأسـي مـثلما ...... هـدهد الـفجر ريـاحين الروابي

كـم هـدتني يـدك الـسمرا إلى ...... حقلنا في(الغول) في (قاع الرحاب)

وإلـى الـوادي إلـى الـظل إلى ...... حـيث يلقى الروض أنفاس الملاب

وسـواقـي الـنهر تـلقي لـحنها .... ذائـباً كـاللطف فـي حلو العتاب

كــم تـمـنينا وكــم دلـلتني ..... تحت صمت الليل والشهب الحوابي

كــم بـكت عـيناك لـما رأتـا ...... بـصري يطفا ويطوى في الحجاب

وتـذكـرت مـصيري والـجوى ....... بـين جـنبيك جـراح في التهاب

هـا أنـا يـا أمـي الـيوم فـتى ........ طـائر الـصيت بعيد في الشهاب

أمــلأ الـتاريخ لـحناً وصـدى ....... وتـغني فـي ربـا الـخلد ربابي

فـاسمعي يـا أم صوتي وارقصي ....... مـن وراء الـقبر كالحور الكعاب

هــا أنـا يـا أم أرثـيك وفـي ........ شـجو هذا الشعر شجوي وانتحابي








ألـقى الـشاعر هـذه الـقصيدة فـي حـفل حـافل بـدار العلوم

مـمـثـلاً لــهـا بـمـناسبة ذكرى المولد النبوي سنة 1376هـ

************************


يقظة الصحراء

حـي مـيلاد الـهدى عاماً فعاما ....... وامـلأ الـدنيا نـشيداً مـستهاما

وامـض يا شعر إلى الماضي إلى ....... مـلتقى الوحي وذب فيه احتراما

واحـمل الذكرى من الماضي كما .... ... يـحمل الـقلب أمـانيه الجساما

هـات ردد ذكـريات الـنور في ....... فـنك الأسـمى ولـقنها الـدواما

ذكـريات تـبعث الـمجد كـما ........ يـبعث الحسن إلى القلب الغراما

فـارتعش يـا وتـر الشعر وذب ....... فـي كـؤوس الـعبقريات مداما

وتـنقل حـول مـهد المصطفى........ وانـشد الـمجد أغـانيك الرِّخاما

زفـت الـبشرى مـعانيه كـما ....... زفـت الأنـسام أنـفاس الخزاما

وتـجـلى يـوم مـيلاد الـهدى...... يـملأ الـتاريخ آيـات عـظاما

واسـتفاضت يقظة الصحرا على ....... هـجعة الأكـوان بـعثاً وقـياما

وجـلا لـلأرض أسـرار السما ....... وتـراءى فـي فم الكون ابتساما

جــل يــوم بـعـث الله بـه ....... أحمداً يمحو عن الأرض الظلاما

ورأى الـدنيا خـصاماً فاصطفى ......... أحـمداً يـفني من الدنيا الخصاما

«مـرسل» قـد صـاغه خـالقه ........ مـن مـعاني الرسل بدءاً وختاما

قـد سعى - والطرق نار ودم - ........ يـعبر الـسهل ويـجتاز الأكاما

وتـحدى بـالهدى جـهد الـعدا ......... وانـتضى للصارم الباغي حساما

نـزل الأرض فـأضحت جـنة .......... وسـماءً تـحمل الـبدر الـتماما

وأتــى الـدنيا فـقيراً فـأتت........ نـحوه الـدنيا وأعـطته الزماما

ويـتـيـماً فـتـبنته الـسـما ........ وتـبنى عـطفه كـل الـيتامى

ورعـى الأغـنام بـالعدل إلـى ......... أن رعـى في مرتع الحق الأناما

بــدوي مـدّن الـصحرا كـما ....... عـلم الـناس إلى الحشر النظاما

وقـضـى عـدلاً وأعـلى مـلة ....... تـرشد الأعمى وتعمي من تعامى

نـشرت عدل التساوي في الورى ......... فـعلا الإنـسان فـيها وتـسامى

يـا رسـول الحق خلدت الهدى ........ وتـركت الـظلم والـبغي حطاما

قـم تـجد في الكون ظلماً محدثاً ........ قـتل الـعدل وبـاسم العدل قاما

وقـوى تـختطف الـعزل كـما ......... يـخطف الصقر من الجو الحماما

أمـطر الغربُ على الشرق الشقا ......... وبـدعوى الـسلم أسـقاه الحماما

فـمـعاني الـسلم فـي ألـفاظه ......... حـيل تـبتكر الـموت الـزؤاما

يـا رسـول الـوحدة الكبرى ويا .......... ثـورة وسـدت الـظلم الرغاما

خـذ مـن الأعماق ذكرى شاعر ....... وتـقـبلها صــلاة وسـلامـا











الشمس


أطـلت مـن الأفق بنت السماء ...... مـغـلفة بـالـشعاع الـنـدي

ووشـت بـساط الـفضا بالسنا ......... وباللهب الـبـادر الـعسجدي

وبـالوهج الـدافيء الـمشتهي ....... وبـالمنظر الـسحري الأجـود

فـجنت بـها نـشوات الـصبا .......... وفـاضت بصدر الضحا الأمرد

وأهـدت سـناها السماوي إلى ....... رؤوس الـربا والـثرى الأوهد

إلـى الطود والسهل والمنحنى ......... إلـى الـماء والـطين والجلمد

إلـى الكوخ والقصر مهد الغنى ........... إلـى الـسوق والسجن والمعبد

ووزعـت الـنور في العالمين ............ وجـادت عـلى الـعبد والسيد

عـلى الـمترفين على البائسين ........... عـلى المجتدى وعلى المجتدي

وأدت رسـالـتـها حـــرة ........ إلـى أقـرب الـكون والأبـعد

جرى عدل بنت السما في الوجو ......... د حـفـياً بـجـيده والـردي

وأنـفـقت الـنور أم الـضحا ......... فـزادت ثـراءً إلـى سـؤدد

وأربـت جـمالاً وزادت سـناً ............ ونـوراً إلـى نورها السرمدي

وطـالت حـياة فـما تـنتهي ............ مـن الـعمر إلاّ لـكي تـبتدي

وأعـطت فـدام سـنا مـلكها ......... جـديد الـصبى دائـم الـمولد

ومــا زادهـا كـثر إنـفاقها ....... سـوى الـترف الأكـثر الأخلد

لـقـد ضــرب الله أمـثاله ....... ومــن يـضلل الله لايـهتدي










يمني في بلاد اللآخرين



مـن أيـن أنا؟ من يدري ......... أوليست لي جنسيه ؟

نـسـبي رايـات حـمر ........ وفـتـوحـات ذهـبـيه

فـلـمـاذا تـسـتغربني ......... هـذي الـزمر الـخشبيه

يـا إخـواني أصـلي من ........... صـنعاء أمـي: (دبـعيه)

صـنعاوي ... حـجري! .......... ما صنعاء ... ما الحجريه؟

مـن أيـن أنـا؟ تشويني ......... بـتـغـابيها الـسـخريه

عـربـي لاتـعـرفني... .......... حـتـى الـدنيا الـعربيه

وأبـي -قـالوا- يـمني .......... أمــي -قـالوا- يـمنيه

لـكـن أنـستني لـوني ............ وفـمي... أيـدي الهمجيه

سـنوات جـوعى عطشى .......... وقــيـادات تـبـعـيه

وغـرابـات لا تــروى ......... وغــرابـات مـرويـه

يـا ريـح... بلادي خلفي .......... ومـعـي مـثلي مـنسيه

حـتى أرضـي يا أرضي ....... كـأهـالـيها مـنـفيه!!

وطـني أسـفار تـمضي ........... وتـعـود بــلا أمـنيه

تـشـريد لا بــدء لـه ....... ومـسـافـات وحـشـيه

حـراس حـدود يـقظى ....... وتـقـانـين وثـنـيـه

مــدن لا أسـماع لـها ..... وزحــامـات عـدمـيه

أســواق كـبرى أدنـى .......... مــا فـيـهن الـبشريه

وبـدائـيـات غـرقـى ......... فـي الأقـنعة الـعصريه

وعـلى رغـمي أستجدي ......... كـل الأيـدي الـحجريه

وبــلاد بـلادي مـنفى ......... ومـتـاهـات أبــديـه

مـن أيـن أنا؟.. مجهول ........ جـــوال دون هـويـه

وبــلا وطــنٍ لـكني ....... مــوهـوم بـالـوطنيه










أنسى أن أموت


تـمتصني أمـواج هـذا الـليل في شرهٍ صَموت



وتـعيد مـا بـدأت.. وتنوي أن تفوت ولا تفوت



فـتثير أوجـاعي وتـرغمني على وجع السكوت



وتـقول لـي: مت أيها الذاوي... فأنسى أن أموت



لـكن فـي صدري دجى الموتى وأحزان البيوت



ونـشيج أيـتامٍ ... بـلا مأوى... بلا ماء وقوت



وكـآبة الـغيم الـشتائي وارتـجاف الـعنكبوت



وأسـى بـلا اسـم.. واختناقات بلا اسم أو نعوت



مـن ذا هنا؟ غير ازدحام الطين يهمس أو يصوت



غير الفراغ المنحني.. يذوي .. يصر على الثبوت



وتـعبّهُ الآحـاد والـجمعُ الـعوانسُ والـسبوت



ودم الـخُطى والأعـين الـملأى بأشلاء الكبوت



من ذا هنا؟ غير الأسامي الصفر تصرخ في خفوت



غـير انـهيار الآدمـية... وارتـفاع (البنكنوت)



وحـدي ألوك صدى الرياح وأرتدي عري الخبوت










اليوم الجنين


عـلى الدرب والمرتع ........ يـجـود، ولايـدعي

يـوشي غناء الحقول ........ وأنـشـودة الـمصنع

ويـعطي حـياة.. بلا ........ نـيـوب ولامـصرع

يـشد أبض الخصور ......... إلـى أعـطش الأذرع

ويسخو سخاء المصيف ......... عـلي الطير والضفدع

عـلى السفح والمنحنى ......... عـلى السهل والأرفع

أتـشـتـم أنـفـاسه ...... طـيوف الربى الهجع

هـنـاك رؤى مـهده ........... نـبـيـذية الـمـنبع

حـمام مـن الأغنيات ....... عـلى جـدول ممرع

مــرايـا هـوائـية ......... سـرابـية الـمـخدع

وغـيب وراء الـقناع ......... ووعــد بـلا بـرقع

هـناك انـتظار يحس ........ خـطاه وحـلم يـعي

ودفءٌ صـريع يحن ......... إلـى لـمسه الـمبدع

وواد يـصـيخ إلـى ....... تـبـاشيره الـلـمع

فـأحـلم أن الـجنين ........ ولـيد بـلا مـرضع

فـألوي زنـود الحنان ........ عـلى خـصره الطيع

ويـحبو على ساعدي ........... فـأرضـعه أدمـعي

ويـنأى، فترنو الكوى ....... يـفتشن عـنه مـعي

ويـرتد، حـلم مضى .......... ويـمضي، بلا مرجع

وتـحتشد الأمـسيات ........... عـلى الـعامر البلقع

فـأرجوه أن يـشرئب ...... إلـى شـرفة المطلع

أمــد لــه سـلماً ......... إلى النور من أضلعي

وأشــدو لـمـيلاده ......... ويـصغي بـلا مسمع

فـأبكيه فـي مـقطع ......... وألـقاه فـي مـقطع








من منفى إلى منفى

بـلادي مـن يَدَي طاغٍ ..... إلـى أطـغى إلى أجفى

ومـن سـجن إلى سجن ...... ومـن مـنفى إلى منفى

ومــن مـستعمر بـادٍ ..... إلـى مـستعمر أخـفى

ومن وحش إلى وحشين ...... وهـي الـناقة الـعجفا

بلادي في كهوف الموت .....لاتـفـنى ولا تُـشـفى

تـنقر في القبور الخرس .... عـن مـيلادها الأصفى

وعـن وعـد ربـيعي ....... .. وراء عـيـونها أغفى

عـن الـحلم الذي يأتي ........... عن الطيف الذي استخفى

فتمضي من دجى ضاف ......... إلى أدجى... إلى أضفى

بـلادي فـي ديار الغير ....... أو فـي دارهـا لـهفى

وحـتى فـي أراضـيها ..... تـقاسي غـربة المنفى








بلاد في المنفى


لأن بــلادي الـحبيبه ...... فـي مـرتباها غـريبه

لأنـهـا وهـي مـلأى ........ بالخصب... غير خصيبه

لأنـهـا وهـي حـبلى ........ بـالري عـطشى جديبه

جـاعت ومـدت يـديها ...... إلـى الأكـف الـمريبه

ثـم ارتـمت كـعجوز ....... مـن قـبل بـدء الشبيبه

تـنسى الـمصير ويأتي ........ مـصيرها فـي حـقيبه

لأن دار أبــيــهــا ....... لـهـا مـناف رهـيبه











في المســاء


أمـشـفقٌ حـولـي ولا إشـفاق
إلا الـمـنى والـكوخ والإخـفاقُ

الـبردُ والـكوخُ الـمسجى والهوا
حـولي وقـلبي والـجراح رفاقُ

وهنا الدجى يسطو على كوخي كما
يـسطو على المستضعف العملاق

فلمن هنا أصغي ؟ وكيف ؟ وما هنا
إلا أنـا ، والـصمت ، والإطراق

أغـفى الـوجود ونام سُمارُ الدجى
إلا أنــا والـشـعرُ والأشـواقُ

وحدي هنا في الليل ترتجف المنى
حـولي ويـرتعش الجوى الخفاقُ

وهـنا وراء الـكوخ بستان ذوتْ
أغـصـانـه وتـهـاوت الأوراق

فـكـأنه نـعشٌ يـموج بـصمته
حـلم الـقبور ويـعصف الإزهاق

نـسي الـربيع مـكانه وتشاغلت
عـنه الـحياة وأجـفل الإشـراق

عُـريان يـلتحف الـسكينة والدجا
وتـئن تـحت جـذوعه الأعراق

والـليل يـرتجل الـهموم فتشتكي
فـيه الـجراح وتـصرخ الأعماق

والـذكريات تـكر فـيه وتـنثني
ويـتـيه فـيه الـحب والـعشاق

تـتغازل الأشـواق فـيه وتـلتقي
ويـظم أعـطاف الـغرام عِـناقُ

والـناس تـحت الـليل : هذا ليلهُ
وصــلٌ وهـذا لـوعةٌ وفـراق

والـحب مـثل العيش : هذا عيشهُ
تـرفٌ وهـذا الـجوع والإمـلاقُ

فـي الـناس من أرزاقه الآلاف أو
أعـلـى وقــومٌ مـالهم أرزاقُ






نار وقلب

يا ابنة الحسن والجمال المدللْ ....... أنت أحلى من الجمال وأجملْ
وكأن الحياة فيك ابتسام ....... وكأن الخلود فيك ممثل
كل حرف من لفظك الحلو فردو .... س ندي وسلسبيل مسلسل
كلما قلت رف من فمك الفج ... روغنى الربيع بالعطر واخضل
أنت فجر معطر وربيع ....... وأنا البلبل الكئيب المبلبل
أنت في كل نابض من عروقي........ وترٌ عاشق ولحنٌ مرتل
كلما استنطَقَتْ معانيك شعري ....... أرعد القلب بالنشيد وجلجل
وانتزفْتُ اللحون من غور أغوا ....... ري كأني أذوب من كل مفصل
وأغنيك والصبابات حولي ..... زمر تحتسي قصيدي وتنهل
وأناجي هواك في معرض الأو ...... هام في شاطئ الظلام المسربل
وفؤادي يحنّ في صدريَ الدا ....... مي كما حن في القيود المكبل
وهواك الغضوب نار بلا نا ...... ر وقلبي هو اللهيب المذلل
أنت دنيا الجمال نمنمها السحر ....... فأغرى بها الجمال وأذهل
فتنة أي فتنة هز قيثا ....... ري صباها ففاض بالسحر وانهل
تسكر الكأس حين تسكرها الكأ ..... س وتسقي الرحيق أحلى وأفضل
وفتون يهز شعري كما هزَّ ........ النسيم البليل زهراً مبلل
وألاقيك في ضميري كما لا .......... قى الفم المستهام أشهى مقبل
في دمي من هواك حمى البراك ........ ين العواتي وألف دنيا تزلزل
وبقلبي إليك ألف عتاب ...... وحوار وحين ألقاك أخجل
أنا أهواك للجمال وللإل ...... هام للفن للحوار المعسل
والغرامُ الطهورُ أزكى معاني ال ....... حب أسمى ما في الوجود وأنبل
فانفحيني تحيّةً وتَلَقَّيْ ...... نغماً من جوانح الحب مرسل


تحيتي لكم

هواي الملتاع
07-05-2011, 10:35 PM
شاعر مميز عررفناه وقرأنا شعره

يعطيك العافيه يا اختي
وسلمت يدينك على طرحك المميز
اشكرك على الموضوع
دمتِ بحفظ الله

ضوى الليل
08-05-2011, 06:40 PM
الشكر لك هواى والعفو ويعافيك ربى ويخليك يارب


//

سمو الامير
07-06-2011, 12:18 AM
اعجبتني الكلمات وعرفت عنهُ الكثير منكٍ ......

كما أنتي بما قدمتي هُنا من إبدآعاتكٍ الجميلة

فـ ننتظر الجديد منكٍ بمثل هذه المواضيع الرائعة

دمتي بحفظ الله

شموخ الملتاع
09-10-2011, 04:55 PM
ختيارك موفق فديتك ضوى
:sm3:
متى لنا
شموخ الملتاع